تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٦ - الاشارة الرابعة
احتجبوا بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل و ارتكاب الخطيئات و مزاولة المكائد الشيطانية و طلب الترفعات الباطلة، حتى رسخت الهيئات الغاسقة في صفحة باطنهم، و تراكمت الملكات المظلمة على مرآة قلوبهم، كما قال تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٨٣/ ١٤].
فلا تقبل التصفية و التطهير بعد ذلك لتراكم ظلمتهم و عينية نجاستهم، كما قال: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [١٠/ ١٠٠] و ذلك لكونها كثيرة التعلق بالدنيا، متعلقة الوجود بأجسادها و أبدانها الغالب عليها القوة الشهوية و الغضبية مثل الكلب و الخنزير، و الدنيا دار النجاسة و طالبها الانجاس و طلبة الارجاس،
لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «الدنيا جيفة و طالبها كلاب»
و
ورد ايضا في الحديث: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها»
[١] ٤١ و ان لم يكونوا ذا فطانة و عقل و لا اعتقاد صادق او كاذب فهم اما المطرودون و المبعدون طبعا من أهل الحجاب، او المستضعفون من النساء و الولدان.
فالأول هم الأموات المعزولون عن الخطاب، المختوم على قلوبهم أزلا، كما قال: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ [٧/ ١٧٩] فالقرآن لا ينذرهم كما لا ينذر القسم الاول، الا أن المانع في أحدهما و هم المنافقون وجودى- و هو المرض المزمن- و في الثاني و هم المطرودون عدمي، و هو الموت- و قد أخبر اللّه تعالى عن نفي قبول الانذار عن أحدهما بقوله: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [١٠/ ٣٣] و عن نفيه عن الثاني بقوله: وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [١٠/ ١٠١] و قوله: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً [١٨/ ١٠١].
و أما المستضعفون فهم غير معلوم العاقبة لا يعلم حالهم الا اللّه.
[١] - الجامع الصغير: ٢/ ١٧.