تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٢ - الاشارة الرابعة
المفارقات، حتى تنتهي معرفتها الى معرفة الحق الاول، فيعرف أن الجميع مقهورون تحت أشعة نوره الأبهر و كبريائه الأنور، و إذا علم نفسه و ربه علم انه أمر رباني بطبعه و فطرته و ذاته، و انه في العالم الجسماني غريب، و ان هبوط اليه لم يكن بمقتضى طبعه، بل بكره، لأجل أمر عارض غريب من ذاته ورد على أبيه آدم أولا و عبّر عنه بالمعصية، و هي التي حطّته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته، فإنها في جوار ربه، و انه أمر رباني، و حنينه الى جوار الرب تعالى له طبعي ذاتى، فيشتاق الى طلب الاخرة الى أن يصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته، فينسى عند ذلك نفسه و ذاته.
و مهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه و استحق الطرد و البعد، إذ قيل له: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [٥٩/ ١٩] أي الخارجون عن مقتضى طبعهم و مظنة استحقاقهم.
و انفتاح هذا الباب من سر القلب الى عالم الملكوت يسمى «معرفة» و «ولاية» ٤٠ و يسمى صاحبه «وليا» و «عارفا» و هي مبادي مقامات الأنبياء. و آخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء سلام اللّه عليهم.
و هذه إشارات الى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العشاق الإلهيون، و يشمئزّ من سماع ألفاظها المغترون القاصرون، فإنها تضرهم كما تضر رياح الورد بالجعل، و كما تبهر الشمس أبصار الخفافيش.
فإذا تمهّدت و تحققت لك أسرارها و أغوارها يظهر عليك أن لفظي «الايمان» و «الحيوة القلبية» كالمتردافين في لغة القرآن و في اصطلاح حامليه كما عند أهل اللّه و أبناء الحقيقة، و كذا «الموت القلبي» و «الكفر» يجريان مجرى المترادفين، و اطلاق «الحي» على المؤمن و «الميت» على الكافر على