تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦ - سورة يس(٣٦) آية ٩
كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [٤٠/ ٦].
سدت عليهم الطرق و أغلقت عليهم الأبواب، إذا لقلب هو المشعر الإلهي الذي هو محل الإلهام، فحجبوا عنه بختمه و طبعه و رينه، و السمع و البصر هما المشعران لادراك الإنسان الكامل خليفة اللّه في أرضه، و هما بابان للفهم و الاعتبار فحرموا عن جدواهما لطمس عيونهم و صمم آذانهم، فلا يمكنهم الانتفاع بهما و الاستعمال لهما فيما خلقا لأجله، لامتناع نفوذ المعنى فيهما الى قلبهم، فلا سبيل لهم في الباطن الى العلوم الكشفية الالهامية، و لا في الظاهر الى العلوم التعليمية الكسبية الادبيّة، فسدت عليهم الطريقتان.
فالسد الاول الواقع من بين أيديهم يوجب انسدادهم عن الوصول الى عالم الاخرة و عالم الغيب و الباطن، الذي يتوجه اليه النفوس بحسب الفطرة بالموت الطبيعي.
و السد الثاني الواقع من خلفهم يوجب انسدادهم عن الانتفاع بعالم الأجسام و صرف نعم اللّه من الآلات و الحواس الجسمانية فيما خلقت لأجله، فحبسوا في سجون الظلمات و وقعوا في شجون أودية الهوى و الدركات، مغشّون بأغشية الهيئات الرديات، مغطون بأغطية الشواغل الماديات، و لذا قال: «فأغشيناهم فهم لا يبصرون» اى غطيناهم و جعلنا عليها غشاوة عن ان تطمح الى مرئى، لان شرط الرؤية مفقودة، لأنهم في حجب ثلاثة و ظلمات ثلاثة: عمى القلب أولا و عمى الشواغل و التعلقات ثانيا، و عمى الجحود و العناد ثالثا، فما أعظم عذابهم! و ما أشد حجابهم حيث قال اللّه فيهم إعراضا عنهم و تسريحا إياهم في مرتع الدواب خليعى العذار، و تسوية بينهم و بين الانعام السائمة بلا قيد و عقال: