تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤ - سورة يس(٣٦) آية ٨
فَهُمْ مُقْمَحُونَ رافعون رؤسهم و غاضّون أبصارهم من «قمح البعير» إذا روى و رفع رأسه، و قيل للكانونين «شهرا اقماح» لان الإبل إذا وردت الماء رفع رأسها لشدة برده.
و منهم من جعل الضمير للايدى على سبيل الكناية و ان لم تكن مذكورة لدلالة الاغلال و الاعناق عليها، و ذلك لان الغل يجمع اليد الى الذقن و العنق، و لا يجمع العنق الى الذقن، و أكد ذلك بما روى عن ابن عباس و ابن مسعود أنهما قرءا: انا جعلنا في أيمانهم أغلالا، و بقرائة بعضهم: في أيديهم. و رجح الاول بقوله: فهم مقمحون، حيث جعل الاقماح نتيجة ما ذكر، و الا لم يكن للسببية وجه ظاهر، و بأن الإضمار ضرب من التعسف و عدول من الظاهر، و على الوجهين لا يتفاوت المعنى، لان الغل لا يكون في العنق دون اليد، و لا في اليد دون العنق.
و المقصود تمثيل حال الجهلة الناقصين الكافرين، او المعاندين و المنافقين، المعرضين عن العلم و اليقين و الحكمة و الدين، في اعراضهم عن استماع كلام أهل الحق برجل غلت يداه الى عنقه لا يمكنه ان يبسطهما الى خير، و هو اشارة الى قصور القوة النظرية التي هي بمنزلة اليد اليمنى للنفس عن درك الحقائق و قصر القوة العملية التي هي بمنزلة اليد اليسرى لها عن فعل الخيرات و ترك اللذات، و برجل طامح برأسه لا يبصر موطن قدمه، و هو اشارة الى استنكاف النفس العسوفة الجحودة العنودة، المحجوبة بفطانتها البتراء، المغترة ببصيرتها العمشاء عن قبول التعلم، و الاستكبار عن الحق و الاغترار بعقله الجزئي، و ذلك