تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٢ - الأصل الثامن
و رابعها: من جهة الغايات و باعتبار الدرجات، فان التوجه الى الملائكة العقلانيّة و المهيّمة و المدبرات الكلية الملكوتيّة يوجب الحشر اليهم و الانخراط معهم و استفاضة المعارف منهم، و كانت العلوم المستفاضة منهم من قبيل التعقلات و الإلهامات الكلية، و يقابله التوجه الى الابالسة المحجوبة عن اللّه، المطرودة عن جناب القدس، المحبوسة في الظلمات، و اكتساب الحيل و الخديعة و المكر، و كانت المستفادة منها من قبيل الأفكار الجزئية المتعلّقة بالأمور السفلية.
فالإنسان على الوجه الاول شابه الملائكة و جنود الرحمان، و على الثاني شابه الشياطين و مردة الجن، المحبوسة في طبقات الجحيم، المحرومة في الدنيا عن الارتقاء الى ملكوت السماء، المحجوبة في الاخرة عن الجنة و النعيم.
و قد انكشف من هذا أن طبقة من الجن و حزبا من مردة الشياطين حيث سقطت درجتهم عن درجة الملكوت مما لا اقتدار لهم على فعل الضرر على اولياء اللّه، لأنهم صم بكم عمي، مقيدون في السلاسل و الاغلال في الجحيم، معذبون بالعذاب و النكال الأليم.
فقد ثبت أن أصل الضلال و العمى و الجهل من الشيطان و ان أصل الهدى و البصيرة و اليقين من الملك، و اللّه الهادي و المضل فوق الكل، و ان اسم إبليس كاسم «شجرة خبيثة» و الشياطين بمنزلة أغصان تلك الشجرة الملعونة و ثمارها تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، و اسم الملك كاسم «شجرة طيبة» أصلها ثابت و فرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها، و ثمارها الحاصلة منها هي العلوم الكلية الالهية و المعارف الحكمية الربانية.