تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٢ - الأصل الرابع
و تحقيق اثبات هذين المؤثرين في القلب الانساني مما ذكرناه في مقامه مستقصى، و تلخيص القول فيهما أما في المؤثر الرحماني: فهو ان الأمور النادرة الواقعة في هذا العالم من خوارق العادات مثل الخسف و الزلزلة و الزجر و الوباء العام و القتل العام على امّة كفرت مما لا يمكن أن ينسب الى عناية الحق الاول و العقول الصريحة بالذات- كما حقّقه بعض الحكماء- بل بواسطة مدبر يفعل الأشياء بقصد جزئي و يتخيل الأمور و ينفعل عن دعاء المظلومين، فيجيب الدعوات اغاثة للملهوفين، و ينتقم من الظلمة و يفعل العقوبات و يعذب قوما حلّ عليهم غضب الجبار، كل ذلك بإذن من الحق و رحمته في إيجاد هذا الموجود الملكي على سبيل العناية.
فقال بعضهم: «أنه نفس منبثتة (منبثة- ن) بعالم الكون و الفساد» و الأكثر من الحكماء انه نفس متولدة عن العقول و النفوس السماوية، و خصوصا نفس فلك الشمس و الفلك المائل، و انه يدبر لما تحت فلك السماء بمعاضدة الملائكة المتعلقة بالكواكب و السموات، و بسطوع أنوار الرحمة الالهية المنبثة في عالم العقول، و قد لزم من تصوره بوجه الخير انفعال المادة العنصرية و تلبسها في الخارج بصورة ذلك المعقول.
قال ابن سينا في بعض كتبه: «يشبه أن يكون ذلك حقا، فلا ينبغي أن ينكر أمثال هذه الوقائع في بدن العالم و نفسه، فان العالم مشتمل على قوى فعالة و منفعلة تحدث منها امور عجيبة نادرة حادثة، مرغمة لانوف أعداء اللّه الجاحدين للنبوات».
و أما في المؤثّر الشيطاني فهو أنه ينبغي لك أن تتصور أولا ما قد وضح لنا بالكشف الصحيح المطابق للعقل الصريح، أن في مقابلة ذلك المبدإ للعالم على وجه الخير و الصلاح المتكون في قوى الاجرام الفلكية موجودا آخر نفسانيا