تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٥ - بصيرة قلبية
فقال: كيف حال من يصبح في دار غربة أسيرا و فقيرا لا يقدر على جرّ منفعة و لا يرجو دفع مضرة؟ قال أخوه: كيف ذلك؟
قال: لانّا قد أصبحنا في الدنيا معذبين في صورة المنعمين، مجبورين في صورة المختارين، مغرورين في صورة المغبوطين، أحرارا كراما في صورة عبيد مهانين، مسلط علينا خمسة حكام يسوموننا سوء العذاب، ينفذون علينا أحكامهم شئنا او أبينا.
قال له أخوه: أخبرني من هؤلاء الحكام؟
قال نعم: أولهم هذا الفلك الدوار الذي نحن في جوفه محبوسين، و كواكبه هذه السيّارة التي لا تزال تدور علينا لا تهدأ و لا تسكن، تارة تجيئنا بالليل و ظلمته، و تارة بالنهار و هاجرته و تارة بالصيف و حرارته، و تارة بالشتاء و برودته، و تارة بالرياح العاصفة، و تارة بالغيوم الغاشية و الأمطار و البروق الخاطفة، و تارة بالصواعق الزاجرة و الزلازل المهلكة و الأخاويف الموحشة و الخسوفات و الكسوفات و العلامات المظلمة، و تارة بالجدب و الغلاء، و تارة بالموتان و الوباء، و تارة بالحروب و الفتن و البلاء، و تارة بالهموم و الأحزان ليس منها خلاص، و لا من سهامها مناص الا بالموت.
و أما الاخر فهو هذه الطبيعة و أمورها المركوزة في الجبلّة- من حرارة الجوع، و لهب العطش، و نار الشبق، و حريق الشهوات، و الآلام و الأمراض و الاسقام، و كثرة الحاجات، ليس لها شغل الا طلب الحيلة لجر منفعة أو لدفع مضرة عن هذه الأجساد المستحيلة التي لا تقف على حالة واحدة طرفة عين، فنفوسنا في جهد و بلاء و كد و عناء و بؤس و شقاء ليس لنا راحة منها الا بالممات- فهذا اثنان.
و اما الثالث فهو هذا الناموس الأكبر و أحكامه و حدوده، و أوامره و نواهيه و وعده و وعيده و زجره و تهديده و توبيخه، و ألم الجوع عند الصيام و تعب الأبدان