تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٠ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٥٣
و تحقيق ذلك أن الموجودات الدنياوية لها أكوان ناقصة، لأنها من حيث كونها الدنياوي امور مادية و موجودات تعلقية، لان جواهرها المفتقرة الى مواضعها كالاعراض المفتقرة الى موضوعاتها فهي لنقص تكونها و ضعف وجودها و تغيرها و انقلابها من صورة الى صورة، و انتقالها من حال الى حال، تحتاج كالأطفال و الصبيان الى قابلة كالزمان و مهد كالمكان، و قد سبق منا أن المتحرك من حيث كونه متحركا كالحركة في كونه غير قار الذات، و كذا الزمانى كالزمان، و المكاني كالمكان، و كل واحد من الزمان و المكان من الأمور الضعيفة الوجود، لان وجود كل جزء من كل منهما يقتضى عدم الجزء الاخر، و حضور كل جزء يقتضى غيبة الجزء الاخر.
و اما وجود الاخرة فهو الكون التام، و موجوداتها أكوان دائمة ثابتة مستقلة، فيزول التغير عن المتغير، و الزوال عن الزائل، و الغيبة عن الغائب، فيتصف المتغير هناك بالثابت، و الغائب بالحاضر، لان الاخرة دار الحقائق، و لكل شيء حقيقة ثابتة، فلزمان الاخرة خاصية البقاء و الثبات، و لمكانها خاصية الحضور و الجمعية يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [٦٤/ ٩] لكن إذا أريد أن يخبر عنهما للمحبوسين في حبس الزمان، و المسجونين في سجن المكان يعبر عنهما بأمثلة زمانية او مكانية. فعبر عن حقيقة الزمان بأقل زمان لان الموجود من الزمان عند الجمهور ليس الا ما يسمونه «آنا» فقيل: وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [١٦/ ٧٧]. و إذا أشير الى مكان الاخرة و حقيقة المكان عبّر عنهما بأوسع مكان، لان المكان شأنه السعة و الاحاطة و يتحدد بأوسع الأجسام، فقيل: جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ [٣/ ١٣٣].
و كذلك يعبر عن زمان القيامة ب «الساعة» و عن مكانها ب «الساهرة» فيكون الخلائق مجموعين حاضرين في محشر واحد في ساعة واحدة، فكما أن يوم