تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٣ - مكاشفة قرآنية
النفساني، و منه يصل الخير و المدد الى هذا الوجه، و لو انقطع عن هذا فيضه لحظة لخرب سريعا و انهدم بناؤه و تعطلت آلاته و تفسخت صورته، فأنت إذا طلبت مبدأ الإنسان و فتشت عنه فعليك أن تطلب و تفتش مبدأ جوهريته جميعا- الجسماني و الروحاني.
فاعلم أولا أن غاية كل شيء ترتبط بمبدئه بل هي عينه كما وقعت الاشارة اليه مرارا، و أن المبدأ و الغاية كلما كانا أرفع من الوقوع تحت الأكوان المتغيرة كانا الى جهة الوحدة و الجمعية أقرب، و كلما كانا أدنى و أنزل كانا الى التعدد و الافتراق أميل.
ثم اعلم انه لا بد للخلق من المرور على المنازل و المراتب عند النزول عن عالم الوحدة و الجمعية، ثم الصعود اليها- ان ساعده التوفيق- بل لكل من الأكوان الطبيعية مبادئ مترتبة في النزول و غايات مترتبة في الصعود الى جهة الحق و مبدأ كل شيء و غايته.
فمعرفة المبدإ و الغاية للإنسان بل لكل شيء أفضل أجزاء العلوم الحقيقية و المعارف النبوية، و العلم بمعاد الإنسان و ما يؤل اليه حاله من أهم المطالب، و هو الدواء النافع و الدرياق الأعظم و الإكسير الأحمر، و الجهل بالاخرة هو السم الناقع و المرض المهلك، و به تكون مرارة النزع عند الموت و الفزع عند البعث للنفوس المريضة بداء الجهالة، فمن عرف أن مجيئه من أين عرف أن ذهابه الى أين، و من تأمل في كل واحد واحد من الأفاعيل التي لها غايات اختيارية أو طبيعية أو ذاتية، و تدبر فيما هو المبدأ بالذات لصدورها و ما هو الغاية لورودها لعلم يقينا أن الغاية في كل شيء هي بعينها ما هو المبدأ على وجه أشرف و أرفع.