تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦١ - قوله سبحانه سورة يس(٣٦) آية ٥١
فما معنى هذه النسبة؟ فإنها مما يؤذن بمزيد اتصال و اقتران، فان كان نسبه الى نفسه لان وجود هذا الروح منه فالجميع كذلك، و قد نسب البشر الى الطين و منه قد حصل روح سيد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و ان كان معناه أنه جزء من اللّه أفاض على القالب كما يفيض الماء من إناء مملّو الى إناء أو كما يعطي المال على السائل، فهذا يوجب تجزية ذات اللّه الواحد و تكثير أحديته- و هو ممتنع- فقد بطل كون إفاضته بمعنى انفصال شيء عن شيء.
قلنا: الكلام فيه موهم، و العبارة عنه قاصرة عن بيان معنى هذه الافاضة، و لتكتف الضعفاء البصائر، القاصرون في ادراك العلوم الالهية بمثال الشمس ٢٢ في هذا القول، فان الشمس لو نطقت و قالت: «أفضت على الأرض من نوري» لكان حقا و صدقا، و يكون معنى هذه النسبة ان النور الحاصل منها على وجه الأرض من جنس نورها الذي يوجب حيوة المكونات و نشو الحيوان و النبات و انبعاث النائمين من النفوس عن مراقد هي كقبور الأموات، و يقهر الظلمات و يعذب الكفرة الخفافيش و الفويسقات، و يطرد الموذيات، و يبعد مردة الجن و الشياطين برواجم الساطعات و هذه الجنسية ثابتة و ان كان الفائض الواقع على وجه الأرض من النور في غاية الضعف بالقياس الى نور الشمس.
فعلى هذا القياس قد علم أن «الروح» منزه عن الجهة و الاشارة و الجسمية و لوازمها المكانية و الزمانية، و في قوته العلم بحقائق الماهيات، و الاطلاع على المغيبات، و الاقتدار على إحضار صور المجردات، و استخدام ملائكة القوى و الروحانيات، و أخذ الأرض بقبضته و طى السموات بيمينه، و هذه كلها توجب مضاهاة له مع اللّه و تشبه بأخلاقه تعالى، كما أشير اليه في الحديث النبوي صلى اللّه عليه و آله و سلم [١] فلذلك وقعت له هذه الاضافة المعنوية و خصت
[١] -
تخلقوا بأخلاق اللّه.