تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٤ - قوله جل شأنه سورة يس(٣٦) آية ٤٧
في أبحر الشواغل الماديات، و رقودهم في مراقد الجهالات-: أنفقوا شيئا مما رزقكم اللّه في طاعته و اخرجوا ما أوجب عليكم إخراجه من أموالكم، احتج الذين كفروا و ستروا أنوار الحق بظلمات صفاتهم الردية و أفعالهم القبيحة للذين آمنوا و شهدوا آيات معرفة اللّه بنور بصيرتهم في منع حقوق اللّه و انكار فرائضه و إبطال أحكامه بأن قالوا: «كيف نطعم من يقدر اللّه على إطعامه، و لو شاء إطعامه أطعمه؟ فإذا لم يطعم دل على أنه لم يشأ».
و هذه شبهة واهية و مغلطة داحضة احتج بها طائفة من أهل الاباحة و الضلال و انحبل بمثل هذه الحبال كثير من العوام و الجهّال، و هي اوهن من بيت العنكبوت و نظير هذا القول قول من قال: «ان اللّه غني عن عبادتنا و غني عن أن يستقرض منا، فأي معنى لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [٢/ ٢٤٥] و غنى عن المعاملة معنا، فما وجه قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ؟ [٩/ ١١١] و لو شاء اطعام المساكين لاطعم و لا حاجة لنا الى صرف أموالنا اليهم».
فانظر كيف كانوا صادقين في دعواهم، و كيف هلكوا بصدقهم كأكثر المتكلمين في مجالس العوام و الحكام، الممارين مع أهل الحق في مسائل الحلال و الحرام بتمهيد بعض المقدمات المقبولة من النقليات، طلبا للشبهات و إحلالا للمحرمات، فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق، و إذا شاء اسعد بالجهل يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً.
و أما افساد ١٦ حجتهم و حسم مادة شبهتم فبأنه يجب أن يعلم كل أحد ان الصفات و الأخلاق مواريث الافعال و المعاملات، و أن الاعمال علاج لمرض القلوب و دواء لما في الصدور، و الأمراض الباطنية حاجبة عن وصول العبد الى سعادة