تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٣ - حكمة قرآنية تتجلى بها عناية رحمانية
بحر الطبيعة بأمر اللّه مدة من الزمان بمقتضى المشيّة و تشعّبوا القول فيها، و ما بلغ إلينا من أكابر العلماء، و اطّلعنا بمطالعة زبر القدماء من الحكماء، و ألهمنا اللّه بحسب متابعتنا طريقة الأنبياء و الأولياء هو ان لكل نفس من النفوس مرتبة من الفعلية و الكمال في الوجود و نصيبها اللائق بحالها من خزائن الرحمة و الجود، و لا يمكن الزيادة عليه حسب ما جبّل عليه و فطر بحسب هويتها الشخصيّة من جهة الفاطر الودود، و هو لسان عبادتها و تسبيحها للحق المعبود.
و سبب تعلقها بالبدن استخراج ما في مكمن ذاتها و مخزن هويتها من القوة الى الفعل و التحصيل، و استكمال جوهرها بالكمال اللائق بحالها من تكرار الأفاعيل، و هذه المرتبة من الكمال الاضافي الوجودي المختص بواحد واحد من أفراد النفوس غير ما يمكن حصوله لطبيعة هذا النوع الانساني الذي هو الغاية القصوى في الكمال، و لطبقة خاصة من أفاضل أفراده المقربين من الحق المتعال، و لا ينافي ١٤ ايضا ما ذكرناه شقاوة أكثر الناس من الكفارة و الجهال و أصحاب الشمال، و حرمانهم و طردهم و بعدهم من رحمة اللّه المختصة بحال الكاملين في المعرفة و الحال، المقربين و السعداء المرتفعين عن مهابط الأرذال.
و لما سبق و ثبت في صدر هذه الاية ان «الذريّة» اشارة الى الأرواح الانسانية، و «الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» الى البدن المملو من القوى و المشاعر الحسية و قوله: «وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ» اشارة الى البدن الاخروي البرزخي المثالي، فنقول:
ان النفوس المتعلقة بهذه الأبدان العنصرية، الراكبة على السفن الجارية في بحر عالم الطبيعة منقسمة الى أقسام ثلاثة: