تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٤ - سورة يس(٣٦) آية ٣٩
ذلك الجري و السير الحثيث في طلب المبدإ الاول على ذلك التقدير و الوجه الذي يكل في حسابه الدقيق دقائق الافهام، و يتحير في استنباطه العقول و الأوهام، و يترتب عليه مع نفع الكائنات السافلات و نشو الحيوان و النبات على هذا النظام غايته الاصلية التي هي التشبّه بالخير الأعظم، و التقرب الى القيوم المنّور بنور الوجود و الكرم لحقائق العالم، المخرج لها عن ظلمة العدم، ما هو الا بتقدير العزيز العليم، القاهر فوق عباده، و الغالب على كل مقدور، و المحيط علما بوجوه الخير و النظام في كل معلوم، و كل ما كانت قدرته كاملة و علمه شاملا، فيجب أن يكون رحمته دائمة و نعمته باسطة، و يكون وجود الموجودات منه على غاية الخير في النظام، و نهاية الفضيلة و التمام و الاستمرار و الدوام.
[سورة يس (٣٦): آية ٣٩]
وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)
«و القمر» قرئ مرفوعا، اما على الابتداء او عطفا على الليل، اى: و من آياته القمر و قرئ منصوبا بفعل يفسره «قدرناه» و لا بد حينئذ من ارتكاب حذف مضاف، اي: قدرنا مسيره منازل، إذ لا معنى لتقدير نفس القمر منازل.
و القمر جرم كري غير مشف مركوز في سخن فلكه، يستضيء أكثر من جرمه من نور الشمس لكثافته و صقالة سطحه، الواقع دائما في محاذاة الشمس من غير حجاب، الا عند مقاطرته الحقيقيّة او ما يقرب منها مع الشمس فيحجبه الأرض عند ذلك عن مواجهة الشمس و وقوع ضوئها عليه، فيرى مظلما منخسفا كله أو بعضه.
و انما هدى الناس الحكم باستنارته من الشمس مشاهدة التشّكلات