تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠ - تفسير القران الكريم سورة يس
و انما هذه التصفية هي (في- ن) ذهاب العبد الى الرب طلبا للهداية:
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [٤٧/ ٩٩] و هذه التنقية مواجهة العبد مع الرب: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [٦/ ٧٩] و هذه التنفية توحيد الذات عن ما سوى اللّه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [١٦/ ١٢٠].
فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ من البرائة من غير اللّه مات عن نفسه، و صارت نفسه مرآة مجلوة تحاذي بها شطر الحق، فانعكس فيها سر الملكوت، و فاض عليها قدس اللاهوت، و مات عن غير اللّه و عن نفسه و هواه، و حشر الى ربه باقيا ببقائه، متسرمدا بسرمديته، و نفذ حكمه و استجاب دعائه على حسب التابعية و مقام الرضا، و تكرم بكرامة التكوين و الإيجاد: وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ [٤١/ ٣١] و كتب اليه الباري سبحانه كتابا إلهيا عنوانه- كما
ورد في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله- قوله تعالى:
«من الحي القيوم الذي لا يموت، الى الحي القيوم الذي لا يموت، أما بعد فاني أقول للشيء «كن» فيكون، و قد جعلتك اليوم تقول للشيء «كن» فيكون- قال (ص): فلا يقول أحد من أهل الجنة «كن» الا و يكون».
ثم لما كان الوصول الى هذه المنزلة مستحيلا الا بتحصيل العلوم الحقيقية و مكاشفة الاسرار الالهية، و لا شك ان أجل العلوم رتبة و أعلاها درجة و منقبة و أعظمها ثمرة و غاية هي معرفة الحق الاول و ما يليه من عقوله و ملائكته و كتبه و صحائف ملكوته و رسله و أوليائه، و معرفة اليوم الاخر و أحوال القيامة و طبقات الناس فيها بحسب السعادة و الشقاوة، و هذه المعارف هي المسماة «بالايمان» عند اولياء الشريعة، و «بالحكمة الالهية» عند طائفة من أئمة العلوم الربانية فكان [١] اللّه أول ما دعى المكلفين من خلقه، انما دعاهم الى النظر و الاعتبار،
[١] - في النسخ الموجودة عندنا: «و لان اللّه ...» و التصحيح قياسي.