اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٢٩ - جواب المسألة الثالثة
أقول: الوجود العامّ المشترك لا يتحقّق إلّا فى العقل، و كذلك فى كلّ أمر عامّ مشترك. و ذلك أنّ الشّىء العينىّ لا يقع على أشياء متعدّدة، فإنّه إن كان فى كلّ واحد من تلك الأشياء لم يكن شيئا بعينه، بل كان أشياء، و إن كان فى الكلّ من حيث هو كلّ، و الكلّ من تلك الحيثيّة شىء واحد، فلم يقع على أشياء و إن كان فى الكلّ بمعنى التّفرّق فى آحاده كان [٤١، ب] فى كلّ واحد جزء من ذلك الشّىء، لا نفس ذلك الشّىء: و إن لم يكن فى شىء من الآحاد و لا فى الكلّ لم يكن واقعا عليها.
و بالجملة، وقوعه على غيره لا يكون إلّا حمله على ذلك الغير، و الحمل و الوضع لا يكون إلّا فى العقل، و الوجود العامّ المشترك لا يمكن أن يكون إلّا عقليّا. و إذا كان كذلك، كان حصوله فى العقل بسبب العقل، و كان ممكنا. و يكون له وجود آخر هو بذلك الوجود يكون ثابتا فى العقل، و هذا الوجود غير الأوّل، فإذن هو وجود الوجود. و لكون الوجود من الألفاظ المشكّكة، فإنّه يقع عليهما لا بالتّساوى.
و إذا اعتبر معروض الوجود الثّاني لم يقل: إنّه ماهيّة، بل يقال: إنّه وجود. [و إذا اعتبر بنفسه كان ماهيّة] له وجود و لوجوده وجود. هكذا إلى أن يقف الذّهن. و لا يكون وجود شىء من تلك الوجودات نفس ذاته. و إذا تصوّر ذلك تصوّرا على الوجه الّذي ينبغى، سقط جميع الإشكالات المذكورة.
قوله: «و أيضا يعسر تحقّق الفرقان بين الوجود الحقّ و الوجود العامّ- إلى أن قال:- كما سأشير إليه فى مسألة أخرى على حدة إن شاء اللّه تعالى.».
أقول: الفرق هو أنّ وجود الحقّ عينىّ ليس له وجود عارض له، و الوجود العامّ عقلىّ لا يتحقّق فى غير العقل، و يكون له وجود آخر عارض له، إذا اعتبر كونه فى العقل. و الحقّ الّذي لا مرية فيه أنّ واجب الوجود لذاته لا يمكن أن يكون إلّا شيئا عينيّا، وجوده عين ذاته، و لا يمكن أن يكون الموصوف بهذه الصّفة إلّا واحدا من كلّ جهة، واجبا من كلّ اعتبار.