اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢١ - (٤) أجوبة مسائل بهاء الدين المياوى
كذلك الخيرات أيضا تترتّب إلى أن تنتهى فى جانب النّقصان إلى ما يتعرّى عن الخيريّة بالفعل. و بعد ذلك تترتّب الشّرور، فما لا خير فيه بالفعل و لا شرّ فيه بالفعل خير ممّا فيه شرّ، و ما فيه شرّ أقلّ خير ممّا فيه شرّ أكثر، إلى أن ينتهى إلى ما هو شرّ من جميع الجهات لذاته، و لا خير فيه، لا بالفعل و لا بالقوّة، و هو الممتنع، و لا وجود له إلّا فى الذّهن.
فإذا ثبت هذا فنقول: الحكمة الإلهيّة أودعت فى طبائع كلّ ما فى المراتب [١٧٣] المذكورة محبّة للكمال، فإن كان واجدا لكلّ كمال يليق به و يمكن أن يحصل له كان عاشقا لذلك الكمال، و إن لم يكن واجدا له كان مشتاقا إليه طالبا له.
و الشّوق يتركّب من لذّة من حيث إدراك المشتاق إليه الّذي هو أثر من الوصول، و من ألم من حيث إدراك فقدان حقيقته الّتي [حصولها له هو] عين إدراكه أتمّ يكون عشقه أو شوقه أوفر.
و الذّوات البسيطة المفارقة يكون عشقها و شوقها بحسب ما تقتضيه تعقّلاتها فقط. و أمّا المركّبات، كالإنسان الّذي فيه قوى مختلفة حسّيّة و خياليّة و وهميّة و شهويّة و غضبيّة. فإذا غلب عليه انجذاب نفسه إلى بعض قواه استتبع ذلك البعض سائر القوى. و لذلك يستخدم [شهوة قوم] مثلا عقولهم، و يستخدم عقول بعضهم سائر قواهم. و إذا انجذب بعض قوى مثل هذا الموجود إلى جانب طلبا لشىء و شوقا إليه، كان انجذابه و طلبه أكثر ممّا كان يقتضيه تلك القوّة حالة تجرّدها، و ذلك لمساعدة سائر القوى المنجذبة معها إيّاها فى ذلك، فيحصل فيه كيفيّة نفسانيّة تسمّى بالحرص و الهلع. و لذلك قيل فى الكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه: «إنّ الإنسان خلق هلوعا» (المعارج/ ١٩). و لعلّ الاستثناء الوارد بعده يكون بسبب المنع و الجزع، لا بسبب الهلع.
و بالجملة إذا انبعثت نفوس الأخيار إلى طلب الكمالات اشتاقت [١٧٣ پ] إليها شوقا عظيما. أمّا لذّة الشّوق الّذي يتبع الإدراك العقليّ فما يزيد على ما كان للبسائط.