اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٩ - فصل ثالث
و لم ينفذ منها إلى كنه حقيقة الأمر، فإنّه يطمئنّ بما حصل له من معرفة تلك الحقيقة بحسب نسبة تلك الصّفة منها و من حيثها، و بحسب مناسبة هذا الطالب معرفتها منها، و يظنّ أنّه قد بلغ الغاية و أنّه أحاط علما بتلك الحقيقة، و هو فى نفس الأمر لم يعرفها إلّا من وجه واحد من حيث تلك الصّفة الواحدة أو العارض أو الخاصّة أو اللّازم. و ينبعث غيره لطلب معرفة تلك الحقيقة أيضا بجاذب مناسبة خفيّة بينه و بينها من حيث صفة أخرى أو خاصّة أو لازم. فيبحث و يفحص و يركّب الأقيسة و المقدّمات، ساعيا فى التّحصيل حتّى ينتهى، مثلا، إلى تلك الصّفة الأخرى. فيعرف تلك الحقيقة من وجه آخر، بحسب الصّفة الّتي كانت منتهى معرفته من تلك الحقيقة. فيحكم على إنيّة الحقيقة بما تقتضيه تلك الصّفة و ذلك الوجه، زاعما أنّه قد عرف كنه الحقيقة الّتي قصد معرفتها، معرفة تامّة إحاطيّة، و هو غالط فى نفس الأمر. و هكذا الثّالث و الرّابع، فصاعدا.
(٣٤) فيختلف حكم النّاظرين فى الأمر الواحد، [١٦، ب] لاختلاف الصّفات و الخواصّ و الأعراض الّتي هى متعلّقات مداركهم و منتهاها من ذلك الأمر الّذي قصدوا معرفة كنهه و المعرّفة إيّاه و المميّزة له عندهم. فمتعلّق إدراك طائفة يخالف متعلّق إدراك طائفة أخرى، كما مرّ، لما مرّ بيانه. فاختلف تعريفهم لذلك الأمر الواحد، و تحديدهم له، و تسميتهم إيّاه و تعبيرهم عنه. و موجب ذلك ما سبق ذكره و كون المدرك به أيضا- و هو الفكر- قوّة جزئيّة من بعض قوى الرّوح الانسانيّ. فلا يمكنه أن يدرك إلّا جزئيّا مثله، لما ثبت عند المحقّقين من أهل اللّه و أهل العقول السّليمة: أنّ الشّىء لا يدرك بما يغايره فى الحقيقة، و لا يؤثّر شىء فيما يضادّه و ينافيه من الوجه المضادّ و المنافى، كما ستقف على أصل ذلك و سرّه عن قريب، إن شاء اللّه تعالى.
فتدبّر هذه القاعدة و تفهّمها، تعرف كثيرا من سرّ اختلاف الخلق فى اللّه، أهل الحجاب و أكثر أهل الاطّلاع و الشّهود، و تعرف أيضا سبب اختلاف النّاس