اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٥١ - مقدمة
الارتسام المطابق، علومهم علوم انفعاليّة جزئيّة حادثة ناقصة المحاكاة.
بل أقول: إنّ نفس من هذا شأنه، تزكو و ترقى و تصفو و تتجوهر و يتّسع فلكها و تتّحد بالجناب الأعلى و تشاغل بنور الحقّ، كما قال، صلّى اللّه عليه و سلّم، و أشار إليه فى دعائه بقوله: «و اجعلنى نورا» فيصير نورا محضا و ينسلخ من الظلمات الإمكانيّة و أحكامها التّقيديّة و الجزئيّة. فتصير مرآة لنفس الارتسام الأزلىّ الإلهيّ. فالقدر الّذي يعلمه من جناب الحقّ و الأشياء يعلمه على نحو ما يعلمه الحقّ بعلم ذاتيّ، لا موهوب و لا مكتسب.
و هذا العلم هو العلم اللّدنيّ الّذي هو عند أكثر أهل الذوق [٥٦، ألف] أعلى علوم الوهب، و إليه الاشارة بقوله تعالى: «و لا يحيطون بشيء من علمه إلّا بما شاء» (البقرة، ٢٥٥) فإنّه علم إحاطيّ فعليّ. إذا تعلّق بشيء، علمه من جميع وجوهه بخلاف علوم النّاس، فإنّها علوم حادثة انفعاليّة تتعلّق بالأشياء من حيثيّة بعض الخواصّ و اللّوازم دون إحاطة، و لذلك كلّ من شعر بنقصانه نفى أن يكون مثل هذا علما تامّا محققا، كالشّيخ الرّئيس، على ما وقف الدّاعى عليه من كلامه، و عرضه على الرأى المنير فى هذه السّطور، و فى الخدمة المتقدّمة.
و صاحب هذا المقام البرزخيّ المذكور، كما ينتقش في مرآته، باعتبار أحد وجهيها المختصّ بطرف الإمكان، الموجودات العينيّة، بحسب تلك التّعقّلات و الاعتبارات العلميّة الأزليّة، كذلك ينعدم فى وحدته باعتبار أحد وجهيه الّذي يلى مقام الوجوب و لا يغاير وحدته كلّ عدد و معدود. و إنّه من هذا الوجه يتأتّى له الأخذ عن اللّه بدون واسطة أصلا، بل يتحقّق بما هو أعلى و أفضل من ذلك ممّا يتعذّر ذكره.
هذا مع تفاوت درجات الواصلين إلى هذا المقام، و تفاوت حظوظهم من الحقّ بموجب خواصّ استعداداتهم الغير المجعولة. بل أقول: بمقتضى حكم الشّهود المحقّق، إنّه ما من موجود من الموجودات إلّا و ارتباطه بالحقّ، من حيث هو، من وجهين: جهة سلسلة التّرتيب و الوسائط الّتي أوّلها العقل الأوّل، و جهة طرف وجوبه الّذي يلى الحقّ. و إنّه من حيث ذلك الوجه [٥٦، ب] يصدق على كلّ موجود أنّه