اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٥ - قول الحكماء فى علم البارى تعالى بالجزئيات
النّسب الواقعة بينها فى التّقدّم و التّأخّر، و مقادير تقدّم كلّ واحد على كلّ واحد ممّا يكون بعده و تأخّره ممّا يكون مثله على ما هو عليه فى الوجود، و بجميع الأمكنة السّارية فى الجهات و ما تحويها تلك الأمكنة من المتمكّنات، و جميع أوضاعها بنسبة البعض إلى البعض فى جهة من جهاته، كالفوق و التّحت، و القدّام و الخلف، و اليمين و اليسار و ما يتركّب منهما، و على كيفيّة الإشارات الحسّيّة من كلّ واحد إلى كلّ واحد غير مقادير الامتدادات بينهما على ما هو الوجود. إنّما سمّى كلّيا لأنّ ذلك، إذا عقل مع جميع هذه الأوصاف، غير مقيّد بأنّها العلم بالموجودات الزّمانيّة و المكانيّة الّتي فى عالمنا هذا. يعنى أنّ ذلك التّعقّل هو تعقّل كلّيّات طبيعيّة و إنّما تصير جزويّة باقترانها بقيدها بأنّها صورة هذا العالم. و هو كليّة عقليّة باقترانها بتجوهر مطابقها لصور عوالم غير هذا العالم، هى أمثال هذا العالم و علمه، تعالى، من حيث صدورها عنه هكذا يخصّصها بأسرها فتصير جزويّة بهذا الاعتبار.
و أمّا الوجه الثّاني، و هو العلم بالجزئيّات على الوجه الجزئيّ الحسّيّ أو الخياليّ، فقد يكون كعلم أحدنا، و هو فى زمان بعينه بغيره، من حيث كون ذلك الغير فى زمان آخر بعينه، قبل ذلك الزّمان أو بعده، مع العلم بمقدار ما بينها من العدّة و ذلك امتداد زمانيّ. بين متزمّن و متزمّن، كأنّه إشارة منه إلى ذلك الآخر إشارة خياليّة، مع العلم بأنّ أحدهما يكون ماضيا أو مستقبلا عند العالم بذلك العلم من حيث كونه فى أحد ذلك الزّمانين و كعلم أحدنا، و هو فى مكان بعينه، بغيره من حيث كونه فى مكان آخر واقع فى جهة بعينه للمكان الأوّل، على وجه يصحّ منه الإشارة إلى ذلك الآخر.
و الإشارة إليه امتداد وضعيّ، من ذي وضع إلى ذي وضع آخر كليّ منه في جهة معيّنة.
و علمه، تعالى، لا يتعلق بالموجودات الزّمانيّة و المكانيّة على هذا الوجه، لامتناع كون ذاته الّتي هى علّة الأزمنة و الأمكنة كلّها فى زمان أو مكان بعينها. و كما لا يصحّ أن يوصف بأنّه ذائق أو شامّ أو لا مس، لكونه غير ذى آلة جسمانيّة فكذلك لا يصحّ أن يوصف بأنّه عالم بالجزئيّات على وجه جزئيّ فإنّ ذلك يقتضي كون العالم بها واقعا فى زمان و مكان بعينها، حتى يصحّ منه أن يشير إلى غيره. فما هو فى زمان و مكان، غير زمانه و مكانه و يكون إشارته امتدادا منه إليه خياليّا أو حسّيا.
و إن تعسّر، على من يريد أن يفهم ذلك، تصوّر موجود لا فى زمان و مكان فليعتبر الحكم بأنّ الواحد نصف الاثنين، من حيث امتناع اختصاصه بمكان أو زمان متعيّنين