اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٤٢ - مقدمة
(٣) و قد عزم الدّاعى أن يذكر فى ذلك و مثله، إن شاء اللّه تعالى، ما تحقّقه ذوقا و كشفا و شهودا، ليتّضح بذلك مشرب المحقّقين و امتيازه من مشارب غيرهم، و ليعلم مذهبهم و مقصودهم، و فى ما ذا يشاركون أهل العقل النّظريّ بالقوّة الفكريّة، و بما ذا يتميّزون عنهم و عن باقى الفرق. و الرّدّ و القبول بعد ذلك راجع إلى إلهام الحقّ و إيضاحه أو ستره، لما يعلم فى ذلك، من الحكم [٤٩، ب] الّتي حجبها عن سواه.
فأقول: إنّ المستفاد من الذّوق الصّحيح و الكشف الصّريح: أنّ تعقّل الحقّ باعتبار أنّه واحد، أو أنّه مبدأ للموجودات، أو أنّه مسلوب عنه الكثرة و الاشتراك مع شىء فى وجوده، أو أنّه يستحيل أن تكون له ماهية وراء وجوده كلّ ذلك لا يصحّ إلّا باعتبار تعيّنه فى عرصة التّعقّل الكونىّ، و أعنى بالتّعقّل الكونيّ تعقّل غير الحقّ، و سيّما كلّ من كان تعقّله له و للبسائط المطلقة و الحقائق الكلّيّة بالتّعقّل الفكريّ المنصبغ بالقوى المزاجيّة الحادثة الإمكانيّة فإنّ تعقّلات من هذا شأنه لا تكون بريئة من خواصّ قيود و كثرة ما سارية الحكم فى تعقّله الموجب لتعيّن المتعقّل و انطباعه فيه بحسب محلّ الانطباع، و إن كان محلا معنويّا فبعيد حصول المطابقة بين المتعقّل و المتعقّل.
و لهذا يقول أكثر المحقّقين: إنّ أتمّ تعيّنات الحقّ فى عرصة التّعقّل و أقربها مطابقة لما هو الأمر عليه، تعيّنه، سبحانه، فى تعقّل العقل الأوّل، لأنّه أخلى الممكنات عن أحكام الكثرة و القيود الإمكانيّة، فتعقّله أتمّ مطابقة و أقرب نسبة إلى ما يقتضيه شأن الحقّ. و جماعة اخرى من المحقّقين يقرّرون هذا الأمر و يقولون به، غير أنّهم يستثنون الكمّل من الأناسيّ و يشركونهم مع العقل الأوّل، في صحّة المعرفة و كمالها.
و على الجملة فكلّ تعيّن مقيّد، حاصر لما يتعيّن به من المطلقات، و إنّ العقل السّليم يقضى بأنّ ذلك التّعيّن [٥٠، ألف] مسبوق باللّاتعيّن.
(٤) فإن قال محقّق: «إنّ حقيقة الحقّ مجهولة، و المعرفة به حاصلة»، فليس يعنى بذلك أنّ للحقّ حقيقة وراء وجوده. و إنّما يعنى به أنّ الحقّ متى اعتبر تعقّله مجرّدا عن الكثرة الوجوديّة و الاعتباريّة النّسبيّة و التّعقّلات و التّعيّنات التّقييديّة النّاشئة من تعقّل غيره له، يكون مطلقا عن التّعيّن بوصف أو حكم أو نسبة، سلبيّا كان كلّ ذلك أو ثبوتيّا.