اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٦ - فصل
و نحن نقول بلسان أهل التّحقيق: إنّ القليل، الّذي قد اعترفتم باستغنائه عن ميزانكم لسلامة فطرته و ذكائه، نسبته، إلى المؤهّلين للتلقّى من جناب الحقّ، و الاغتراف من بحر جوده، و الاطّلاع على أسرار وجوده، فى القلّة و قصور الاستعداد، نسبة الكثير المحتاج إلى الميزان. فأهل اللّه هم القليل من القليل.
(٢٦) ثمّ إنّ العمدة عندهم، فى الأقيسة، البرهان، و هو «إنّيّ» و «لمىّ»، و روح البرهان و قطبه هو الأوسط، و اعترفوا بأنّه غير مكتسب ببرهان، و أنّه من باب التّصوّر لا التصديق. فينحلّ ممّا ذكر: أنّ الميزان أحد جزأيه غير مكتسب، و أنّ المكتسب منه إنّما يحصل بغير المكتسب [و أنّ روح البرهان الّذي هو عمدة الأمر و الأصل الّذي يتوقّف تحصيل العلم المحقّق عليه فى زعمهم غير مكتسب. س، حح، ش] و أنّ من الأشياء ما لا ينتظم على صحّتها و فسادها برهان سالم من المعارضة. بل يتوجّه عليه إشكال يعترف به الخصم. و مع ذلك فلا يستطيع أن يشكّك نفسه فى صحّة ذلك الأمر هو و جماعة كثيرة سواه.
و هذا حال أهل الأذواق و مذهبهم، حيث يقولون: إنّ العلم الصّحيح موهوب غير مكتسب، و إنّ المتحصّل لنا بطريق التّلقّى من جانب الحقّ، و إن لم يقم عليه البرهان النّظرىّ، فإنّه لا يشكّكنا فيه مشكّك [١٤، ب]، و لا ريب عندنا فيه و لا تردّد، و يوافقنا عليه مشاركونا من أهل الأذواق، و أنتم فلا يوافق بعضكم بعضا، إلّا لقصور بعضكم عن إدراك الخلل الحاصل فى مقدّمات البراهين الّتي أقيمت لإثبات المطالب الّتي هى محلّ الموافقة على ما بيّن سرّه فى هذا التّمهيد.
(٢٧) و فى الجملة، فقد تبيّن أنّ غاية كلّ أحد فيما يطمئنّ إليه من العلوم: هو ما حصل فى ذوقه، دون دليل كسبيّ، أنّه الحقّ، فسكن إليه و حكم بصحّته هو و من ناسبه فى نظره و شاركه فى أصل مأخذه و ما يستند إليه ذلك الأمر الّذي هو متعلّق اطمئنانه. و بقى: هل ذلك الأمر المسكون إليه و المحكوم بصحّته هو فى نفسه صحيح على نحو ما اعتقد فيه من حاله ما ذكرنا، أم لا؟ ذلك لا يعلم إلّا بكشف منه