اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٩٦ - المسألة العاشرة فى أن الإدراك إن لم يكن زائدا على العلم فهل يصح فى البارى أن يكون عالما بالجزئيات على الوجه الذي يعلمها عليه، أم لا يعلمها إلا على وجه كلى؟
بالآلات الجسمانيّة الّتي هى الحواسّ، و الإدراك العلمىّ إنّما يحصل للذّات العاقلة من غير آلة، و لذلك لا يدرك حسّ نفسه و لا إحساسه، فإنّه لا آلة تتوسّط بينه و بينها، و يدرك الذّات العاقلة نفسها و آلاتها و تعقّلاتها.
أمّا البارى- تعالى- فكلّ من يعتقد أنّه جسم أو جسم مباشر للأجسام فقد يمكن له أن يصفه بالإدراك الحسّيّ، و كلّ من ينزّهه عن ذلك فقد ينزّهه أيضا عن هذا الوصف.
و لمّا كان السّمع و البصر ألطف الحواسّ و أشدّها للعقل عبّر بهما عن العلم فى كثير من المواضع، كما فى قوله، عزّ من قائل: «وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ»[١] و فى قوله تعالى: «وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ»[٢]. و فى غير ذلك من المواضع الّتي لا يمكن أن تعدّ. و لأجله و صفوا البارى- سبحانه- بالسّميع و البصير، دون الشامّ و الذّائق و اللّامس، و عنوا بهما العلم بالمسموعات و المبصرات، و فرّقوا بين السّامع و السّميع، و المبصر و البصير، و جميع ذلك من المباحث اللفظيّة.
و أكثر المتكلمين يخصّون الإدراك بالحسّىّ و ينازعون فى (جواز) وصف البارى- تعالى- به، ثمّ فى المراد منه إذا وصفوه، فيذهب بعضهم إلى الإحساس، و بعضهم إلى العلم بالمحسوسات.
المسألة العاشرة فى أنّ الإدراك إن لم يكن زائدا على العلم فهل يصحّ فى البارى أن يكون عالما بالجزئيّات على الوجه الّذي يعلمها عليه، أم لا يعلمها إلّا على وجه كلىّ؟
أمّا الإدراك و العلم فقد تقدّم الكلام فيهما، و أمّا علم البارى- تعالى- بالجزئيّات ففيه خلاف بين المتكلّمين و الفلاسفة. و ذلك أنّ المتكلمين قالوا: إنّ البارى- تعالى- يعلم الحادث اليومىّ على الوجه الّذي يعلم أحدنا أنّه موجود فى هذا الوقت، و لم يكن موجودا قبله، و يمكن أن يوجد بعده، أولا يمكن.
[١]القرآن الكريم، سورة الملك، (٦٧) الآية ١٠.
[٢]القرآن، الاعراف (٧) الآية ١٩٨.