اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٤ - فصل
النّظريّة و غيرهم و رأينا أيضا أمورا كثيرة قرّرت بالبراهين قد جزم بصحّتها قوم، بعد عجزهم و عجز من حضرهم من أهل زمانهم عن العثور على ما فى مقدّمات تلك البراهين من الخلل و الفساد، و لم يجدوا شكّا يقدح فيها، فظنّوها براهين جليّة و علوما يقينيّة. ثمّ بعد مدّة من الزّمان تفطّنوا، هم أو من أتى بعدهم، لإدراك خلل فى بعض تلك المقدّمات أو كلّها، و أظهروا وجه الغلط فيها و الفساد، و انقدح لهم من الإشكالات ما يوهن [١٣، الف] تلك البراهين و يزيّفها.
(٢٢) ثمّ إنّ الكلام فى الإشكالات القادحة، هل هى شبه أو أمور صحيحة كالكلام فى تلك البراهين و الحال فى القادحين كالحال فى المثبتين السّابقين، فإنّ قوى النّاظرين فى تلك البراهين و الواقفين عليها متفاوتة، كما بينّا و لما ذكرنا. و الحكم يحدث أو يتوقّع من بعض النّاظرين فى تلك الأدلّة بما يزيّفها بعد الزّمان الطويل مع خفاء العيب على المتأملين لها و المتمسّكين بها قبل تلك المدّة المديدة. و إذا جاز الغلط على بعض النّاس من هذا الوجه، جاز على الكلّ مثله. و لو لا الغلط و العثور عليه و اطمئنان البعض بما لا يخلو عن الغلط و بما لا يؤمن الغلط فيه و إن تأخّر إدراكه، لم يقع بين العالم خلاف فى الأديان و المذاهب و غيرهما. فهذا من جملة الأسباب المشار إليها.
(٢٣) ثمّ نقول: و ليس الأخذ بما اطمأنّ به بعض النّاظرين و استصوبه و صحّحه فى زعمه، بأولى من الأخذ بقول مخالفه و ترجيح رأيه. و الجمع بين القولين أو الأقوال المتناقضة غير ممكن، لكون أحد القولين، مثلا، يقتضى إثبات ما يقضى الآخر بنفيه، فاستحال التّوفيق بينهما و القول بهما معا.
و ترجيح أحدهما على الآخر، إن كان ببرهان ثابت عند المرجّح، فالحال و الكلام فيه كالكلام و الحال فيما مرّ و إن لم يكن ببرهان، كان ترجيحا من غير مرجّح، يعتبر ترجيحه، فيتعذّر إذن وجدان اليقين و حصول الجزم التّامّ بنتائج الأفكار و الأدلّة النظريّة.