اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١١٠ - رسالة فى إثبات واجب الوجود لنجم الدين على بن عمر الكاتبى القزوينى دبيران
و إن كان ذلك المؤثّر شيئا آخر غير ما هو أثر له، فلا يخلو: إمّا أن ينتهى إلى موجود واجب لذاته أو يتسلسل إلى غير النّهاية. و الأوّل فيه حصول المطلوب أيضا و الثّاني باطل، و إلّا لحصل مجموع مركّب من أفراد متناهية، و لو كان كذلك لكان ممكنا لذاته، لافتقاره إلى أجزائه الّتي هى غيره، و وجوب استلزام الافتقار إلى الغير إمكان المفتقر.
و كلّ ممكن لا بدّ له من مؤثّر، فلذلك المجموع مؤثّر، فذلك المؤثّر إمّا أن يكون نفسه، أو أمرا داخلا فيه، أو أمرا خارجا عنه. و الأوّل محال لوجوب تقدّم المؤثّر بالذّات على الأثر و امتناع تقدّم الشّىء على نفسه. و الثّاني أيضا محال، لأنّ المؤثّر فى المجموع مؤثّر فى كلّ جزء من أجزائه، فلو كان أحد أجزاء ذلك المجموع مؤثّرا فى ذلك المجموع لزم أن يكون مؤثّرا فى نفسه و مؤثّرا فيما هو مؤثّر فيه، و كلّ منهما محال أمّا الأوّل فلامتناع تقدّم الشّىء على نفسه، و أمّا الثّاني فلاستلزامه الدّور، و قد أبطلناه.
و لمّا بطل القسمان الأوّلان تعيّن الثّالث و هو أن يكون المؤثّر فى ذلك المجموع أمرا موجودا خارجا عن ذلك المجموع، و الخارج عن جملة الممكنات لا يكون ممكنا لذاته، و إلّا لكان داخلا فيه، بل خارجا عنه، و هو المطلوب»[١].
و اعلم أنّ هذا الإيراد ليس واردا على النّظم الطبيعىّ، لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه لو لم يكن شىء من ذلك الموجود و لا مؤثّره و لا مؤثّره واجبا لذاته، يلزم أحد الأمور الثّلاثة، و هو إمّا الدّور، أو وجود واجب موجود لذاته، أو التّسلسل. و الأوّل و الثّالث باطلان، و فى الثّاني حصول المطلوب.
فنقول: لا نسلّم أنّ فى الثّاني حصول المطلوب، فإنّه لا يلزم من وجود موجود واجب لذاته- على تقدير أن لا يكون شىء ممّا ذكرتم من الامور الثّلاثة واجبا لذاته- وجود موجود واجب لذاته فى نفس الأمر. و المطلوب هو الثّاني لا الأوّل، و أمّا الثالث
[١]الى هنا ينتهى ما رواه المؤلّف عن الحكماء القدماء من البرهنة على إثبات وجود واجب الوجود، و سوف يبدأ ممّا يلى ذلك بالإدلاء برأيه و مناقشاته لهذا البرهان، ثمّ بيان ما يرتئيه من البرهنة على المطلوب.