اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٣ - (٤) أجوبة مسائل بهاء الدين المياوى
الأحوال يعقبان راحة ما من بعض الآلام، و ذلك شىء يجرّبه المرضى و المعذّبون. أمّا التأوّه فلخروج ما يجتمع فى باطنه من الدّخان الحاصل من إحراق الجوهر الحارّ المجتمع فى الباطن بسبب الحزن لمادّة روحه الحيوانيّة. و أمّا التّشكّى فلما فيه، من توهّم نوع ما من الانتصار و الانتصاف. و هما- أعنى التّأوّه و التّشكى- مباحان فى أكثر الأحوال.
و الأنبياء، عليهم السّلام، كثيرا ما يقدمون على المباحات، و إن كان الإقدام على الطاعات أولى منها فى ذلك الوقت، فإنّ العصمة من الذّنوب لا ينافى ترك الأولى، و لذلك أوّل القائلون بتنزيههم عن الذّنوب- صغائر كانت أو كبائر- ما ينسب إليهم من الذّنوب بتركهم الأولى و استغفارهم من الذّنوب [١٧٣ ب] بندامتهم على ذلك.
و أمّا قول العوامّ للمتألم: «لو لم يوجد لكان خيرا له»، معناه: أنّ المفروض متألما لو لم يكن موجودا أصلا حتّى لا يتألّم لكان خيرا له من كونه موجودا متألّما، لأنّ عدم الألم خير من وجوده.
و أمّا نسبة الخيريّة إليه حال عدمه فى قولهم: «خيرا له» فهو بحسب التّوهّم، لا بحسب العقل. و ذلك أنّ الوهم ربّما حسب أنّ الميّت يلتذّ بعد موته بوجود ذكر صالح له، بسبب ولد رشيد، أو خير جار أو ما يشبه ذلك. فكأنّهم يتوهّمون أنفسهم مدركين لتلك اللّذة بعد موتهم، كذلك يحسب الوهم هاهنا أنّ المتألّم حال عدمه مستريح من ألمه، و لا يرجع إلى العقل الحاكم بمنافاة الوجود للعدم، كالحكم بمنافاة الموت للإدراك. و ذلك و أمثاله من الأحكام الكاذبة الوهميّة.
فحاصل البحث، بعد تحقيق هذه المباحث، أنّ قول القائل: «عدم المتألم له خير من وجوده». قضيّة وهميّة كاذبة فإن قال: «عدم المتألم مطلقا خير من وجوده» صارت القضيّة ظنيّة كاذبة. و ذلك أنّ ذلك القائل إنّما حكم بذلك لشهادة عقله بأنّ عدم الخير خير من وجود الشّرّ، و عدم علمه بما فى المتألم من الخيرات الموجودة بالفعل و القوّة و لو كان عارفا بما فى المتألم من الخيرات بالفعل و القوّة و كونها راجحة