اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٩٩ - المسألة العاشرة فى أن الإدراك إن لم يكن زائدا على العلم فهل يصح فى البارى أن يكون عالما بالجزئيات على الوجه الذي يعلمها عليه، أم لا يعلمها إلا على وجه كلى؟
و أمّا المدرك الذي لا يكون كذلك، و يكون إدراكه تامّا فإنّه يكون محيطا بالكلّ، عالما بأنّ أىّ حادث يوجد، فى أىّ زمان من الأزمنة، و كم يكون من المدّة بينه و بين الحادث الذي يتقدّمه أو يتأخّر عنه، و لا يحكم بالعدم على شىء من ذلك، بل بدل ما يحكم المدرك الأوّل بأنّ الماضى ليس موجودا فى الحال، يحكم هو بأنّ كل موجود هو فى زمان معيّن لا يكون موجودا فى غير ذلك الزّمان من الأزمنة الّتي [تكون] قبله أو بعده، و يكون عالما بأنّ كلّ شخص فى أىّ جزء يوجد من المكان، و أىّ نسبة تكون بينه و بين ما عداه، ممّا يقع فى جميع جهاته، و كم الأبعاد بينها جميعا على الوجه المطابق للوجود، و لا يحكم على شىء بأنّه موجود الآن أو معدوم، أو موجود هناك أو معدوم، أو حاضر أو غائب لأنّه ليس بزمانىّ و لا مكانىّ، بل نسبة جميع الأزمنة و الأمكنة إليه نسبة واحدة.
و إنّما يختصّ بالآن أو بهذا المكان أو ذلك المكان، او بالحضور و الغيبة، أو بأنّ هذا الجسم قدّامىّ أو خلفىّ أو تحتىّ أو فوقىّ من يقع وجوده فى زمان معيّن أو مكان معيّن.
و علمه- تعالى- بجميع الموجودات أتمّ العلوم و أكملها، و هذا هو المفسّر بالعلم بالجزئيّات على الوجه الكلّى، و إليه اشير بطىّ السّماوات الّتي هى جامعة الأمكنة و الأزمنة كلّها كطيّ السّجلّ للكتب فإنّ القارئ للسّجلّ يتعلّق نظره بحرف حرف على الولاء، و يغيب عنه ما تقدّم نظره إليه أو تأخّر عنه. و أمّا الذي بيده السّجلّ مطويّا يكون نسبته إلى جميع الحروف نسبة واحدة، و لا يفوته شىء منها.
و ظاهر أنّ هذا النّوع من الإدراك لا يمكن إلّا لمن يكون ذاته غير زمانىّ و غير مكانىّ، و يدرك لا بآلة من الآلات و لا بتوسّط شىء من الصّور، و لا يمكن أن يكون شىء من الأشياء، كلّيّا كان أو جزئيّا، على أيّ وجه كان، إلّا و هو عالم به، «فلا تسقط من ورقة إلّا و هو يعلمها، و لا حبّة فى ظلمات الأرض، و لا رطب و لا يابس، إلّا و جميعها مثبت عنده فى الكتاب المبين».[١] الّذي هو دفتر الوجود، فإنّ وجود كلّ
[١]منقبس من القرآن الكريم، سورة الانعام (٦)، الآية ٥٩.