اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٣ - فصل
فصل (ثان)
(١٩) اعلموا، أيّها الإخوان- تولّاكم اللّه بما تولّى به عباده المقرّبين- أنّ إقامة الأدلّة النّظريّة على المطالب و إثباتها بالحجج العقليّة على وجه سالم من الشّكوك الفكريّة و الاعتراضات الجدليّة متعذّرة فإنّ الأحكام النّظريّة تختلف بحسب تفاوت مدارك أربابها، و المدارك تابعة لتوجّهات المدركين، و التّوجّهات تابعة للمقاصد التّابعة لاختلاف العقائد و العوائد و الأمزجة و المناسبات و جميعها تابع فى نفس الأمر لاختلاف آثار التّجلّيات الأسمائيّة المتعيّنة و المتعدّدة فى مراتب القوابل و بحسب استعداداتها. و هى المثيرة للمقاصد و المحكمة للعوائد و العقائد، الّتي تتلبّس بها و تتعشّق نفوس أهل الفكر و الاعتقاد فإنّ التّجلّيات فى حضرة القدس و ينبوع الوحدة وحدانيّة النّعت، هيولانيّة الوصف، لكنّها تنصبغ عند الورود بحكم استعدادات القوابل و مراتبها الرّوحانية و الطبيعيّة و المواطن و الأوقات و توابعها، كالأحوال و الأمزجة و الصّفات [١٢، ب] الجزئيّة، و ما اقتضاه حكم الأوامر الرّبّانيّة المودعة بالوحى الأوّل الإلهيّ في الصّور العلويّة و أرواح أهلها و الموكّلين بها. فنظنّ لاختلاف الآثار أنّ التّجلّيات متعدّدة بالأصالة فى نفس الأمر، و ليس كذلك.
(٢٠) ثمّ نرجع و نقول: فاختلف للموجبات المذكورة أهل العقل النّظرىّ فى موجبات[١] عقولهم و مقتضيات أفكارهم و فى نتائجها، و اضطربت آراؤهم. فما هو صواب عند شخص هو عند غيره خطأ، و ما هو دليل عند البعض هو عند الآخرين شبهة، فلم يتّفقوا فى الحكم على شىء بأمر واحد، فالحقّ بالنّسبة إلى كلّ ناظر هو ما استصوبه و رجّحه و اطمأنّ به.
(٢١) و ليس تطرّق الإشكال ظاهرا فى دليل، يوجب الجزم بفساده و عدم صحّة ما قصد إثباته بذلك الدّليل فى نفس الأمر، لأنّا نجد أمورا كثيرة لا تتأتّى لنا إقامة برهان على صحّتها، مع أنّه لا شكّ فى حقيقتها عندنا و عند كثير من المتمسّكين بالأدلّة
[١]القونوى: إعجاز البيان فى تأويل أم القرآن، ١٣٨٩، ص ١١٤- ١٣٣.