اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٩٤ - فصل ثالث
إلى المبصرات كحال البصيرة بالنّسبة إلى المعقولات المعنويّة و المعلومات الغيبيّة.
(٤٤) و كما عجز البصر عن إدراك المبصرات الحقيرة، مثل الذّرّات و الهباءات و نحوهما، و عن المبصرات العالية، كوسط قرص الشّمس عند كمال نوره، فإنّه يتخيّل فيه سوادا، لعجزه عن إدراكه- مع أنّا نعلم أنّ الوسط منبع الأنوار و الأشعّة- فظهر أنّ تعلّق الإدراك [١٩، ب] البصريّ بما في طرفي الإفراط و التّفريط، من الخفاء التّامّ و الظّهور التّامّ، متعذّر، كما هو الأمر فى النّور المحض و الظّلمة المحضة فى كونهما حجابين و أنّ بالمتوسّط بينهما النّاتج منهما، و هو الضّياء، تحصل الفائدة، كما ستعرفه إن شاء اللّه تعالى.
فكذلك العقول و البصائر إنّما تدرك المعقولات و المعلومات المتوسّطة فى الحقارة و العلوّ، و تعجز عن المعقولات الحقيرة، مثل مراتب الأمزجة و التّغيّرات الجزئيّة على التّعيين و التّفصيل، كالنّماء و الذّبول فى كلّ آن، و عن إدراك الحقائق العالية القاهرة أيضا، مثل ذات الحقّ- جلّ جلاله- و حقائق أسمائه و صفاته إلّا بالله، كما ذكرنا.
(٤٥) و رأوا أيضا: أنّ من الأشياء ما تعذّر عليهم إدراكه، للبعد المفرط، كحركة الحيوان الصّغير من المسافة البعيدة، و كحركة جرم الشّمس و الكواكب فى كلّ آن. و هكذا الأمر فى القرب المفرط، فإنّ الهواء لاتصاله بالحدقة يتعذّر إدراكه، و كنفس الحدقة، هذا فى باب المبصرات. و فى باب المعقولات و البصائر، كالنّفس الّتي هى المدركة من الإنسان و أقرب الأشياء نسبة إليه، فيدرك الإنسان غيره و لا يدرك نفسه و حقيقته.
(٤٦) فتحقّق بهذا الطّريق أيضا عجز البصائر و الأبصار عن إدراك الحقائق الوجوديّة الإلهيّة و الكونيّة و ما تشتمل عليه من المعانى و الأسرار. فظهر أنّ العلم الصّحيح لا يحصل بالكسب و التّعمّل، و لا تستقلّ القوى البشريّة بتحصيله ما لم يجد الحقّ بالفيض القدسىّ الغيبىّ و الإمداد بالتّجلّى النّورىّ [٢٠، ألف] العلمىّ الذّاتىّ، منحنا اللّه و سائر الإخوان ذلك على الوجه الأكمل [و سلوك سبيل الأمم الأعدل.].