اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٧٦ - مقدمة
(مقدّمة)
(١) و بعد، فلمّا كان النّاس، بمقتضى القسمة العقليّة و الإخبارات الإلهيّة، على ثلاث طبقات: طبقة عليا و طبقة وسطى و طبقة سفلى، و كان من مقتضى أحوال الطبقة العليا، أرباب الهمم السّامية الرّاقية إلى اكتساب المعالى و الكمالات الخالدة و الفضائل الباقية، طلب معرفة حقائق الأمور، على ما هى عليه، و سيّما معرفة الحقّ- سبحانه- الّذي هو أشرف متعلّق لأشرف العلوم، لعلمهم بأنّ شرف العلم يتفاوت بحسب شرف المعلوم، و أنّ معرفته- سبحانه- هى الأصل فى معرفة كلّ شىء من مركّب و بسيط، و محاط إحاطة معنويّة أو صوريّة، و محيط بموجود بالنّسبة أو معدوم. و نظروا فى الموجودات، معقولها و محسوسها، على اختلاف طبقاتها باعتبار تعلّق العلم بها. فإذن هى تنقسم بنحو من القسمة إلى قسمين:
(٢) قسم يستقلّ الإنسان بإدراكه ممّا أودع اللّه فيه من القوى و الآلات المزاجيّة، تارة ببعضها، و تارة بجملتها. هذا إن كان المدرك ممّا من شأنه أن يدرك بالقوى و الآلات الطبيعيّة. فإن لم يكن بالمثابة المذكورة و كان ممّا من شأنه أن لا يدركه الإنسان إلّا بعقله من حيث نظره و فكره، أدركه بنظره و فكره كالعلم بوجود الحقّ و الأرواح المجرّدة و المعانى البسيطة.
(٣) و وجدوا القسم الآخر ليس ممّا تستقلّ العقول من حيث نظرها و فكرها، و لا الحواسّ و القوى [٨، ألف] المزاجيّة جمعا و فرادى بإدراكه، كذات الحقّ- سبحانه و تعالى- و حقائق الأسماء و الصّفات المنسوبة إليه بألسنة الشّرائع و العقول، و كيفيّة صحّة إضافة شىء منها إلى ذاته، سبحانه فإنّ معرفة صحّة إضافة الصّفات و الأسماء إلى ذات الحقّ- سبحانه- مقامها مقام مهيب، لوجوب الحكم بوجوب وجود الحقّ، و أنّه واحد من جميع الوجوه، و ممتاز بحقيقته عن كلّ شىء لا يماثل شيئا و لا يماثله شىء فإن هذا ممّا يجب الاعتراف بثبوته، لما يلزم من المفاسد إذا اهمل القول بثبوت هذا الأصل.