اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٠١ - المسألة الأولى
فإن قيل: إنّه عرف أكثرها، إلّا أنّه لا يلزم أن يعرف لوازمها كلّها. نقول: لو كان يعرف حقيقة الشّىء ثمّ ينحدر من معرفة حقيقته إلى لوازمه و خواصّه، لكان يجب أن يعرف لوازمه و خواصّه أجمع، لكن معرفته بالعكس ممّا يجب أن يكون عليه»[١].
و نحن نقول: إنّ من مقتضى الذّوق الصّحيح الّذي حظى به أهل الحقّ منه- سبحانه- كون مبدأ معرفتهم معرفة الحقّ، لكن بالحقّ، لا بقواهم و عقولهم. فإذا عرفوا الحقّ بالحقّ، عرفوا بعد ذلك نفوسهم بالحقّ من حيثما عرفوه به، ثمّ عرفوا ما شاء الحقّ أن يطلعهم عليه دفعة أو بالتّدريج. و لهذا يستحيل عندنا أن يعرف أحد حقيقة شىء، ما لم يعرف الحقّ».
و الحقّ فى كلّ متعيّن عقلا أو ذهنا أو حسّا غير متعيّن، و لا ممازج، و لا مماثل، و لا بعيد إلّا من حيث امتياز حقيقته عن كلّ شىء بما ذكرنا و بامور اخر معلومة للمحقّقين على سبيل الحصر. و قد ذكرنا قبل هذا على سبيل التّلويح فى التّمهيد: أنّ تعيّن الحقّ- سواء قيل بأنّ وجوده زائد على حقيقته، أو أنّ وجوده عين حقيقته، فى تعقّل كلّ عاقل- لا يمكن أن يكون مطابقا لما هو الحقّ عليه فى نفسه، و لا لتعيّنه عند نفسه من حيث ما يمتاز عن سواه إن اقتضى علمه بنفسه ذلك التمييز.
فإذا لم يكن هذا النّوع من التّعقّل مطابقا لما هو الأمر عليه، [٢٣، ب]، فكلّ حكم يترتّب على هذا التّعقّل و يضاف إلى الحقّ سلبا أو إثباتا، إنّما هو مضاف إلى هذا التّعقّل، و التّعيّن المشخّص فى تصوّر العاقل ليس ثابتا للحقّ من حيث علمه بنفسه، و لا مسلوبا عنه بدون هذا الاعتبار إذ لا مطابقة، فلا علم و لا حكم يصحّ على الحقّ للعقل من هذا الوجه. فحينئذ، سواء قيل بأنّ وجود الحقّ عين حقيقته، أو قيل بأنّ وجوده من لوازم حقيقته لا يحصل من الأمرين تحقيق، إذ لا يتمّ تقرير كلّ واحد من الأمرين، فافهم.
[١]ابن سينا، التعليقات، ص ٨٢.