اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٥٢ - مقدمة
واجب، و إن كان وجوبه بغيره.
و مراد المحقّقين من «الوجوب» هنا مخالف من وجه لمراد غيرهم من هذا الإطلاق. و السّرّ فيه عموم حكم وحدة الحقّ الذّاتيّة المنبسطة على كلّ متّصف بالوجود، و القاضية باستهلاك أحكام كثرة الأشياء و الوسائط فيها، و الموضحة أحديّة التّصرّف و المتصرّف، بمعنى أنّ كلّ ما سوى الحقّ ممّا يوصف بالعليّة أنّه معدّ غير مؤثّر، فلا أثر لشىء فى شىء إلّا للّه الواحد القهّار.
لكنّ سرّ هذا الوجه الخاصّ الّذي لا واسطة فيه بين كلّ شىء و بين الحقّ بالنّسبة إلى أكثر الموجودات مستهلك الحكم و الخاصيّة فى أحكام الكثرة و الإمكان، لغلبة أحكام الكثرة على حكم الوحدة و أحكام الوجوب المشار إليها من قبل.
(١٦) و ثمّة سرّ شريف يتعلّق بهذا المقام للعقل النّظريّ فيه مجال ما، و هو أنّه لمّا لم يجز عقلا أن يتعقّل فى الحقّ جهتان مختلفتان، لكونه واحدا من جميع الوجوه، و جب أن يكون الارتباط المتعقّل بينه، سبحانه، و بين الموجودات ثابتا من حيث الحقّ من وجه واحد.
و لمّا كانت الكثرة من لوازم الممكنات و صفاتها الذّاتيّة، و أوّل صورة الكثرة و أقلّها الاثنينيّة، وجب أن يكون ارتباط كلّ ممكن بالحقّ من حيث التمكّن من جهتين:
الجهة الواحدة وجه إمكانه و الأخرى وجه وجوبه، و وجب أن تكون الغلبة من الوجه الّذي يلى الأوّل [٥٧، ألف] للوحدة و أحكام الوجوب، كما يجب أن تكون الغلبة للكثرة من الوجه الآخر. ثم أقول: تعيّنت مراتب الموجودات و درجاتها بحسب الغلبة و المغلوبيّة المتعقّلة الوقوع بين الطرفين، كما مرّ بيانه.
و من اطّلع، على ما ذكرنا، استشرف على أسرار شريفة، من جملتها معرفة سبب موافقة العقل النّظرىّ لنتائج الكشف و الشّهود، و سبب التّوقّف فى ذلك أو المخالفة.
فسبب الموافقة هو غلبة ما حاصلة من جناب وحدة الحقّ و إطلاقه و أحكام وجوبه على أحكام الكثرة الّتي اشتملت عليها ذات الموافق.
و ما نباعنه إدراك صاحب العقل النّظرىّ، ممّا أدركه المكاشف فى شهوده،