اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٨٥ - أقسام الإدراك و علم البارى تعالى و الكلام النفسي
و إذا تقرر هذا، فنقول: كما أنّ الكاتب يطلق على من يتمكّن من الكتابة، سواء كان مباشرا للكتابة أو لم يكن، و على من يباشرها، حال المباشرة باعتبارين كذلك العالم يطلق على من يتمكّن من أن يعلم، سواء كان فى حال استحضار المعلوم أو لم يكن، و على من يكون مستحضرا له، حال الاستحضار، باعتبارين فوقوع اسم العالم على الأمر الأوّل يكون بالاعتبار الأوّل، و على الأمر الثاني بالاعتبار الثاني.
و العالم الذي يكون علمه ذاتيّا فهو بالاعتبار الأوّل، لأنّه بذلك الاعتبار لا يحتاج فى كونه عالما إلى شىء غير ذاته، و العلم بهذا الاعتبار شىء واحد. و أمّا بالاعتبار الثاني فهو محتاج إلى اعتبار صورة المعلوم، و هو من حيث صورة المعلوم مغاير لذاته، و العلم بذلك الاعتبار متكثّر بتكثّر المعلومات.
و إدراك الأوّل- تعالى- بالاعتبار الثاني، أمّا لذاته فيكون بعين ذاته لا غير، و يتّحد هناك المدرك و المدرك و الإدراك، و لا يتعدّد إلّا بالاعتبارات التي يستعملها العقول.
و أمّا لمعلولاته القريبة منه، فيكون بأعيان ذوات تلك المعلولات، إذ لا يتصوّر هناك عدم حضورها بالمعانى المذكورة أصلا، و تتّحد هناك المدركات و الإدراكات، و لا يتعدّدان إلّا بالاعتبار و يغايرهما المدرك.
و أمّا لمعلولاته البعيدة، كالماديّات و المعدومات، الّتي من شأنها إمكان أن توجد فى وقت أو تتعلّق بموجود، فيكون بارتسام صورها المعقولة فى المعلولات القريبة التي هى المدركات لها أوّلا و بالذات، و كذلك إلى أن ينتهى إلى إدراك المحسوسات بارتسامها فى آلات مدركها. و ذلك لانّ الموجود فى الحاضر حاضر، و المدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه.
فإذن «لا يعزب عن علمه- تعالى- مثقال ذرّة فى الأرض و لا فى السّماء و لا أصغر من ذلك و لا أكبر». و تكون ذوات معلولاته مرتسمة بجميع الصّور، و هى الّتي يعبّر عنها (تارة) بالكتاب المبين، و تارة باللوح المحفوظ، و يسمّيها الحكماء بالعقول الفعّالة.
و لا يلزم على هذا التقدير شىء من المحالات المذكورة و المذاهب الشّنيعة، لكن