اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٨ - فصل ثالث
معرفة حقيقة- كانت ما كانت- لا بدّ و أن يكون بينه و بينها مناسبة من وجه و مغايرة من وجه. فحكم المغايرة يؤذن بالفقر المقتضى للطلب، (١٥، ب) و حكم المناسبة يقتضى الشّعور بما يراد معرفته.
(٣١) و الإنسان من حيث جمعيّته مغاير لكلّ فرد من أفراد الأعيان الكونيّة، و من كونه نسخة من مجموع الحقائق الكونيّة و الأسمائيّة يناسب الجميع. فمتى طلب معرفة شىء، فإنّما يطلبه بالأمر المناسب لذلك الشّىء، لا بما يغايره إذ لو انتفت المناسبة من كلّ وجه لاستحال الطلب، إذ المجهول مطلقا لا يكون مطلوبا. كما أنّ ثبوت المناسبة أيضا من كلّ وجه يقتضى الحصول المنافى للطلب، لاستحالة طلب الحاصل. و إنّما حصول الشّعور ببعض الصّفات و العوارض من جهة المناسبة هو الباعث على طلب معرفة الحقيقة، الّتي هى أصل تلك الصّفة المشعور بها أولا.
فتطلب النّفس أن تتدرّج من هذه الصّفة المعلومة أو اللّازم أو العارض، و تتوسّل بها إلى معرفة الحقيقة الّتي هى أصلها، و إلى معرفة غيرها أيضا من الخواصّ و العوارض المضافة إلى تلك الحقيقة.
(٣٢) فتركيب الأقيسة و المقدّمات طريق تصل به نفس الطّالب بنظره الفكرىّ إلى معرفة ما يقصد إدراكه من الحقائق. فقد يصل إليه بعد تعدّى مراتب صفاته و خواصّه و لوازمه تعدّيا علميّا، و قد لا يقدّر له ذلك، إمّا لضعف قوّة نظره و قصور إدراكه المشار إلى سرّه فيما بعد أو لموانع أخر يعلمها الحقّ و من شاء من عباده. و غاية مثل هذا أن يتعدّى من معرفة خاصّة للشّىء أو صفته أو لازمه البعيد أو القريب، إلى صفة أو لازم [١٦، ألف] آخر أيضا. و قد تكون الصّفة الّتي ينتهى إليها معرفته من تلك الحقيقة أقرب نسبة إلى الحقيقة من المشعور بها، أوّلا، المثيرة للطلب، و قد تكون أبعد على قدر المناسبة الثّابتة بينه و بين ما يريد معرفته، و بحسب حكم تلك المناسبة فى القوّة و الضّعف و ما قدّره الحقّ له.
(٣٣) فمتى انتهت قوّة نظره بحكم المناسبة إلى بعض الصّفات أو الخواصّ،