اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢١١ - المسألة الرابعة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد
قبول فيض من الحقّ دون واسطة، كالأمر فى شأن العقل الأوّل.
و هذا حاصل لقوم من أهل اللّه، شهدناه و تحقّقناه، بحمد اللّه، من نفوسنا و من غيرنا. و أهل اللّه يسمّون هذا الوجه ب «الوجه الخاصّ»، و هم متّفقون على ثبوته.
و هو الواقع عندهم فى حقّ جميع الخلق، لكن الأكثرون لا يعرفونه و لا يشعرون به، و الخاصّة تعرفه و تدرك أثره، و حظّها منه متوفّر متّصل.
و بذلك وردت الشّرائع كلّها، و نطقت الكتب المنزلة، وقع الاتّفاق من جميع الأنبياء و الكمّل من الأولياء فى أنّ الأخذ من الحقّ تارة يحصل و يرد بواسطة بعض الأرواح، و تارة بدون واسطة أصلا. و لا برهان على امتناعه، كما لا برهان لهم، على ما ذكروه و ذهبوا إليه فى الأمور الّتي قدّمنا ذكرها فى باب العلم الإلهيّ و صورة تعلّقه بالمعلومات و فى غير ذلك، سوى القياس و الاستبعاد [٢٩، ب] المشار إليهما.
و العجب منهم الجزم بذلك دون برهان محقّق، مع اعترافهم بأنّ حقيقة الحقّ مجهولة، و أنّ علمه عين ذاته، كما مرّ، و أنّه «ليس كمثله شىء» (الشورى، ١١)، سيّما و من البيّن أنّ إسناد صفة إلى موصوف ما مسبوق بمعرفة حقيقة الصّفة و حقيقة من تنسب إليه.
و قد سبق بيان تعذّر ذلك على البشر من حيث النظر العقلىّ المعهود. سيّما و قد ثبت أنّ علم البشر، من كونهم بشرا، علم انفعالىّ. و تعيّنه متوقّف على الكثرة، لأنّا لا نعلم شيئا، كما مرّ، من حيث ماهيّتنا فقط، و لا أيضا من حيث اتّصافها بالوجود المستفاد، و إلّا لكان كلّ موصوف بالوجود موصوفا بالعلم، و هم لا يقولون بذلك. بل لا بدّ من قيام الحياة بالموجود. و ذلك أيضا غير كاف، ما لم يقم به معنى يسمّى علما. و لا بدّ أيضا من شرط آخر، و هو زوال الموانع الحائلة بين المسمّى عالما و بين ما يقصد معرفته.
و علم الحقّ ليس كذلك. إنّما هو علم فعلىّ وحدانىّ، لا حكم فيه لكثرة، و لا هو متوقّف على شىء خارج عن ذاته، من زوال مانع أو غيره. و حقيقته بالاتّفاق