شبهات السلفية - جواد حسين الدليمي - الصفحة ٣٥
كلام يدرأ عنّي سوطين من سلطان إلاّ كنت متكلّماً به(١) .
ـ وقال أبو بكر ابن العربي عند كلامه على الآية ١٠٦ من سورة النحل (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان) : فذكر استثناء من تكلّم بالكفر بلسانه عن إكراه، ولم يعقد على ذلك قلبه، فإنّه خارج عن هذا الحكم، معذور في الدنيا، مغفورٌ في الأُخرى.
ثمّ قال: والمُكرَه: هو الذي لم يُخَلّ وتصريف إرادته في متعلّقاتها المحتملة لها، فهو مختار، بمعنى أنّه بقيَ له في مجال إرادته ما يتعلّق به على البدل، وهو مكره بمعنى أنّه حذف له من متعلّقات الإرادة ما كان تصرّفها يجري عليه قبل الإكراه، وسبب حذفها قول أو فعل ; فالقول هو التهديد، والفعل هو أخذ المال، أو الضرب، أو السجن...
ثمّ قال: وقد اختلف الناس في التهديد، هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنّه إكراه ; فإنّ القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلاّ قتلتك، أو ضربتك، أو أخذت مالك، أو سجنتك، ولم يكن له من يحميه إلاّ الله، فله أن يقدم على الفعل، ويسقط عنه الإثم في الجملة، إلاّ في القتل، فلا خلاف بين الأُمّة أنّه إذا أُكره عليه بالقتل أنّه لا يحلّ له أن يفدي نفسه بقتل غيره، ويلزمه أن يصبر على البلاء الذي ينزل به.
ثمّ قال: واختلف في الزنا، والصحيح أنّه يجوز له الإقدام عليه، ولا حدّ عليه خلافاً لابن الماجشون، فإنّه ألزمه الحدّ ; لأنّه رأى أنّها شهوة خلقية لا يتصوّر عليها إكراه، ولكنّه غفل عن السبب في باعث الشهوة، وأنّه باطل، وإنّما وجب الحدّ على شهوة بعث عليها سبب اختياري، فقاس
[١]المدوّنة الكبرى ج ٢ ص ١٢٩ ـ ١٣٠.