شبهات السلفية - جواد حسين الدليمي - الصفحة ٣١٩
السُنّة متواترة، ثمّ اختلف الوجه على مذهب الشافعي أنّه يمنع منه العقل أو الشرع، فالظاهر من مذهبه أنّه يمنع العقل والشرع جميعاً.
والوجه الثاني: أنّه منع منها الشرع دون العقل، ثمّ اختلف من قال بهذا، فقال ابن سريج: إنّ الذي يمنع منه أنّ الشرع لم يرد به... وقال أبو حامد الأسفرائيني: الشرع منع منه ولم يكن مجوّزاً فيه.
واحتجّ من جوّز بالعقل أنّه لو لم يجز لكان لنا أن لا نجوّز في القدرة أو في الحكمة.
والأوّل: لا يجوز لأنّه معلوم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) كان يقدر على أنواع الكلام، ولو أتى بكلام موضوع لرفع حكم من أحكام الكتاب صحّ ذلك ودلّ على ما هو موضوع له.
والثاني: لا يجوز أيضاً لأنّه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون منفّراً عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وموهماً أنّه (عليه السلام) يأتي بالكلام من قبل نفسه وهذا لو نفّر عنه لنفر عنه من حيث أن أزال حكماً شرعياً وأوهوم أنّه أُوحي إليه بإزالته، وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السُنّة بالسُنّة...
إلى أن قال: وأمّا دليلنا قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) والسُنّة لا تكون مثل القرآن ولا خيراً منه، فوجب أن لا يجوز النسخ بها، وأيضاً فإنّه تعالى قال: (نأت بخير منها أو مثلها) فهذا يدلّ على أنّه هو المتفرّد بالإتيان بخير من الآية وذلك لا يكون إلاّ نسخاً، والناسخ قرآن، وأيضاً فإنّه تعالى قال: (نأت بخير منها) وقوله: (منها) يفيد أنّه يأت من جنسه، وجنس القرآن قرآن، والإستدلال بالآية معتمد يدلّ عليه أنّه تعالى ساق الآية إلى قوله: (ألم تعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير) وهذا يدلّ أنّ غيره يعجز عنه.