شبهات السلفية - جواد حسين الدليمي - الصفحة ١١٤
<=
ويلاحظ عليه قوله: (وقتلوا أهلها) فإنّه ليس بدقيق، فالمروي من طرقنا أنّ الأشعريّين شاهدوا أهل هذه القرى في أحد الأيّام قد هربوا إلى الجبال المحيطة بقم، وعندما استعلموا الخبر منهم أخبروهم بأنّ جماعة من اللصوص وقطّاع الطرق تأتي من جهة الريّ للسلب والنهب، فثبت لهم الأشعريّون وقتلوهم، وقطع بذلك ضررهم.
ثمّ توالت هجرة الكوفيّين إلى قم، ومن أبرز من هاجر إليها من العلماء: إبراهيم ابن هاشم، ومحمّد بن خالد البرقي، وغيرهم.
وإن وجد أثر للتشيّع في بعض الأماكن في ذلك العصر فهو بسبب التهجير القسري الذي فرض على أهل الكوفة من قبل ولاة السوء الظلمة للقضاء على التشيّع فيها، فقد هجّر زياد ابن أبيه خمسين ألفاً من شيعة الكوفة إلى خراسان، وكذا فعل سخله عبيد الله، ومن بعده الحجّاج، إلى أن قضى على أكثرهم أبو مسلم الخراساني بإشارة من إبراهيم الإمام، وعمل فيهم السيف وشرّد بقيّتهم كلّ مشرّد، حتّى وصلوا إلى التبت.
ويبدو أنّ هذه السياسة قد راقت لصدّام فقام بالفعل نفسه وهجّر مئات الآلاف من الشيعة اقتداءً بسلفه الطالح من الحكّام الفسقة الفجرة، ولطالما نبز غالبية شعبه بالشعوبية.
هذه هي الحقيقة الناصعة لواقع الحال من عروبة التشيّع وفارسية التسنّن، لا كما يشاع ويشتهر.
وخير دليل على ذلك كلام الفضل بن روزبهان، المتكلّم الأشعري في عصره في تلك الديار في مقدّمة كتابه الذي ردّ فيه على كتاب العلاّمة الحلّي "نهج الحقّ" والذي سمّاه "إبطال نهج الباطل" وقد فرغ من تصنيفه سنة ٩٠٩ هـ، قال: ثمّ إنّ زماننا قد أبدى من الغرائب ما لو رآه محتلم في رؤياه لطار من وكر الجفن نومه، ولو شاهده يقظان في يومه لاعتكر من ظلام الهموم يومه، وممّا شاع فيه أنّ فئة من أصحاب البدعة استولوا على البلاد، وأشاعوا الرفض والابتداع بين العباد، فاضطرّتني حوادث الزمان إلى المهاجرة عن الأوطان، وإيثار الاغتراب، وتوديع الأحبّة والخلاّن، وأزمعت الشخوص من وطني أصفهان حتّى حططت الرحل بقاسان، عازماً على أن لا يأخذ جفني القرار، ولا تضاجعني الأرض بقرار، حتّى
=>