شبهات السلفية - جواد حسين الدليمي - الصفحة ١٩٥
الصورة لأصبح التكليف عبثاً والعياذ بالله، وبعث الأنبياء لعباً، وإرسال الرسل بالرسالات لهواً ما دام كلّ شيء قد خطّ وجرت به المقادير.
نعم نحن نؤمن بقضاء الله وقدره ولكن ليس على إطلاقه، بحيث يصبح العبد كالريشة في مهبّ الريح تسيّرها حيث اتّجهت، أو كالإنسان الآلي المبرمج الذي يُسير وفقاً بما غذّي من معلومات، بحيث يصبح لا دخل له ولا إرادة في فعله، والاّ لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، ولأصبحت أوامر الله ونواهيه أقرب إلى العبثية، بل هي العبثية بعينها، نعوذ بالله من هذه الآراء الفاسدة.
كيف يأمرني ربّي بفعل أمر أو ينهاني عن آخر وقد خطّ عليّ خلافه؟! أليس من حقّي أن أقول له (عزّ وجلّ) : لم يا ربّي كتبت عليَّ أن أكون عاصياً وجعلته أمراً محتوماً ولم تكتب وتقدّر لي بأن أكون مطيعاً وكتبت لغيري كذا ولم تكتب لي كذا؟! ولِمَ لَمْ تساوني به وأنت الحكم العدل؟!
إلاّ أنّ أُولي الألباب يقولون: نعم إنّ الله تعالى قدّر كلّ شيء ولكن ليس قدراً حتمياً، وقضى كلّ أمر ولكن ليس قضاءً مبرماً، فإنّه تعالى خلق العبد ومنحه قدرة يتمكّن بها، ووهبه عقلا ينير له المسالك ويميّز به سبل الخير والشرّ، وأمره بفعل الخير ووعده بجزيل الثواب، ونهاه عن الشرّ وحذّره شدّة العقاب، وجعله حُرّاً في اختياره، ولم يجبره على فعل شيء، ولم يكلّفه بما لا يطاق، فإنّه محال، وأرسل الأنبياء هداةً مهديّين، مبشّرين ومنذرين، وما عليهم إلاّ البلاغ المبين، وعلينا الاختيار بين الطاعة والعصيان، وكلٌّ بقضاء الله وقدره، وليس في هذا عزل لله عن سلطانه، وتعطيل لقدرته، ولا تفويض الأمر لعبده، وإنّما أمر بين أمرين، كما ورد