الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٤ - التّفسير
أبلغ و أحسن! إلّا أنّ القرآن الكريم يجيب هؤلاء بجواب منطقي و مستدل تماما، و في الوقت نفسه قاطع و مفحم، فيقول: كأن هؤلاء قد نسوا تاريخ البشر، و لم ينظروا كم دمرنا من الأقوام السابقين عند تمردهم و عصيانهم: وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَ رِءْياً [١] فهل استطاعت أموالهم و ثروتهم، و مجالسهم الفاسقة، و ملابسهم الفاخرة، و صورهم الجميلة أن تمنع العذاب الإلهي و تقف أمامه؟ و إذا كانت هذه الأمور دليلا على شخصيتهم و منزلتهم عند اللّه، فلما ذا ابتلوا بهذا المصير المشؤوم؟
إنّ زخارف الدنيا و بهارجها متزلزلة إلى حدّ أنّها تتلاشى و تزول بمجرّد أن يهب عليها أدنى نسيم هادئ.
«القرن»- كما قلنا سابقا في ما مرّ في ذيل الآية (٦) من سورة الأنعام- تعني عادة الزمان الطويل، لكن لما كانت قد أخذت من مادة الاقتران، أي الاقتراب، فإنّها تقال أيضا للقوم و الأناس المجتمعين في زمان واحد.
ثمّ تحذرهم تحذيرا آخر، بأن لا تظنوا أيّها الظالمون الكافرون أنّ مالكم و ثروتكم هذه رحمة، بل كثيرا ما تكون دليلا على العذاب الإلهي: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا. حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ إي إمّا العذاب في هذه الدنيا، و إمّا عذاب الآخرة فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً.
في الحقيقة، إنّ مثل هؤلاء الأفراد الذين لا يمكن هدايتهم (و الملاحظ أن القرآن يقول: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ و هو إشارة إلى الاستمرار في الضلال) من
[١]- (الأثاث) بمعنى المتاع و زينة الدنيا، و (رئي) بمعنى الهيئة و المنظر.