الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - ٢- ماذا يعني لقاء اللّه؟
و الآن نصل إلى هذا السؤال: ما هو مصدر هذا الانحراف الخطير؟
إنّ التعصب القوي و الغرور و التكبير و حب الذات، هي من أهم العوامل التي تقود إلى مثل هذه التصورات الخاطئة. و في بعض الأحيان يكون التملق، أو الانطواء على النفس لفترة معينة سببا لظهور هذه الحالة، حيث يتصوّر الإنسان أنّ كل أعماله الخاطئة المنحرفة هي أعمال جميلة، بحيث يشعر بالفخر و الغرور و المباهاة بدلا من إحساس الخجل و الشعور بالعار بسبب أعماله القبيحة. يقول القرآن في مكان آخر واصفا هذه الحالة: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [١] و في آيات أخرى، نقرأ أنّ الشيطان هو الذي يزيّن للإنسان سيئاته حسنات، و يمنيهم بالغلبة و النصر، كما في قوله تعالى: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ [٢].
و يقول القرآن بعد قصّة برج فرعون المعروف: وَ كَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ. و الآية تعليق على عمل فرعون عند ما طلب من هامان أن يبني له برجا ليطّلع بزعمه إلى إله موسى كما في الآيتين (٣٦- ٣٧) من سورة غافر.
٢- ماذا يعني لقاء اللّه؟
بالرغم من أنّ بعض أشباه العلماء يستفيدون من أمثال هذه الآيات إمكانية رؤية الخالق جلّ و علا في العالم الآخر، و يفسّرون لقاء اللّه باللقاء الحسي، إلّا أنّه من المعلوم بداهة أنّ اللقاء الحسي يقتضي تجسيم الخالق جلّ و علا، و التجسيم يقتضي التحديد و الحاجة، و المحدود المحتاج يكون قابلا للفناء، و الكل يعرف و يؤمن بأنّ هذه الصفات لا تنطبق على اللّه تعالى.
لذا فإنّ القصد من اللقاء أو الرؤيا في الآيات القرآنية ليس الرؤية الحسية، بل
[١]- فاطر، ٨.
[٢]- الأنفال، ٤٨.