الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٣ - في انتظار العقاب
و لا يبقى ثمّة مجال للشك.
و لكن بالرغم من هذا فإنّ مجموعة عصاة لم يؤمنوا أبدا: وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا.
«صرّفنا» من «تصريف» و تعني التغيير و التحوّل من حال إلى حال. الهدف من هذا التعبير في الآية أعلاه هو أنّنا تحدثنا مع الناس بكل لسان يمكن التأثير به عليهم.
«جدل» تعني محادثة الآخرين على أساس المنازعة و إظهار نزعة التسلّط على الآخرين. و لهذا فإنّ (المجادلة) تعني قيام شخصين بإطالة الحديث في حالة من التشاجر، و هذه الكلمة في الأصل مأخوذة- و كما يقول الراغب في المفردات- من (جدلت الحبل) أي ربطت الحبل بقوّة، و هي كناية عن أنّ الشخص المجادل يستهدف من خلال جدله أن يحرف الشخص الآخر- بالقوّة- عن أفكاره.
و قال آخرون: إنّ أصل (الجدال) هو بمعنى المصارعة و إسقاط الآخر على الأرض. و هي تستعمل أيضا في الدلالة على الشجار اللفظي.
في كل الأحوال، يكون المقصود بالناس في الآية هم تلك الفئة التي لا تقوم في وجودها و ممارساتها على أصول التربية الإسلامية و قواعدها، و قد أكثر القرآن في استعمال هذه التعابير، و قد شرحنا هذه الحالة مفصلا في نهاية الحديث عن الآية (١٢) من سورة يونس.
الآية التي بعدها تقول: إنّه بالرغم من كل هذه الأمثلة المختلفة و التوضيحات المثيرة و الأساليب المختلفة التي ينبغي أن تنفذ إلى داخل الإنسان المستعد لقبول الحق، فإنّ هناك مجموعة كبيرة من الناس لم تؤمن: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي مصير الأمم السالفة: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا [١] فيرونه بامّ أعينهم.
إنّ هذه الآية- في الحقيقة- إشارة الى أنّ هذه المجموعة المعاندة و المغرورة
[١]- (قبل) تعني (التقابل، بمعنى مشاهدة العذاب الإلهي بالعين، بعض المفسّرين كالطبرسي في مجمع البيان، و أبي الفتوح في روح الجنان، و الآلوسي في روح المعاني احتملوا أن تكون (قبل) جمع (قبيل) و هي إشارة إلى الأنواع المختلفة من العذاب، إلّا أنّ المعنى الأوّل أقرب حسب الظاهر.