الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣١ - ١- هل كانت مهمّة الخضر في اطار النظام التشريعي أم التكويني!؟
فالحادثة الأولى اعتبروها منطبقة مع قانون الأهم و المهم؛ و قالوا بأنّ حفظ مجموع السفينة عمل أهم حتما من الضرر الجزئي الذي لحقها بالخرق؛ و بعبارة أخرى، فإنّ الخضر قام هنا (بدفع الأفسد بالفاسد) خاصّة و أنّه كان يمكن تقدير الرضا الباطني لأهل السفينة فيما إذا علموا بهذه الحادثة. (أي أنّ الخضر قد حصل من وجهة الإحكام و القواعد الشرعية على إذن الفحوى).
و فيما يتعلق بالغلام فقد أصرّ المفسّرون ممن سلك هذا الطريق، على أنّ الفتى كان بالغا و أنّه كان مرتدا أو مفسدا، و بسبب أعماله الفعلية فإنّه من الجائز أن يقتل.
و أمّا حديث الخضر عن جرائم الغلام المستقبلية، فإنّه بذلك أراد أن يقول بأن جرائم هذا الغلام لا تقتصر على إفساده الراهن و جرائمه الحالية، بل سيقوم بالمستقبل بجرائم أكبر، لذا فإنّ قتله طبقا للموازين الشرعية و بسبب ما اقترفه من جرائم فعلية يكون جائزا.
أمّا ما يخص الحادثة الثّالثة، فلا أحد يستطيع أن يعترض على الآخرين فيما لو قاموا بالتضحية و الإيثار من أجل الآخرين، و من أجل أن لا تضيع أموالهم دون أن يتقاضوا أجرا على أعمالهم، و هو بالضبط ما قام به الخضر، و قد لا تصل هذه الأفعال إلى حدّ الوجوب، إلّا أنّها تعتبر- حتما- من السلوك الحسن.
بل قد يقال من الوجهة الفقهية أنّ الإيثار و التضحية في بعض الموارد من الأمور الواجبة، مثل أن تكون أموال كثيرة لطفل يتيم معرضة للتلف، و يمكن المحافظة عليها بجهد قليل فلا يستبعد وجوب بذل الجهد.
الطريق الثّاني: تتمّ فيه مناقشة بعض عناصر الاستدلال الفقهية التي وردت في الطريق الأوّل، فإذا كانت التوضيحات الآنفة مقنعة فيما يخص الكنز و الحائط، إلّا أنّها في قضية قتل الغلام لا تتلاءم مع ظاهر الآية، الذي اعتبر علّة قتل الغلام هو ما سيقوم به من أعمال في المستقبل، و ليس أعماله الفعلية.