الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - عشاق الحق
لقد ذكر المفسّرون آراء مختلفة في الفرق بين الجملة الأولى: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ و الجملة الثّانية: وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ منها:
١- المراد من الجملة الأولى: إنّنا قدّرنا أن ينزل القرآن بالحق. بينما تضيف الجملة الثّانية أنّ هذا الأمر أو التقدير قد تحقق، لذا فإنّ التعبير الأوّل يشير إلى التقدير، بينما يشير الثّاني إلى مرحلة الفعل و التحقق [١].
٢- الجملة الأولى تشير إلى أنّ مادة القرآن و محتواه هو الحق، أمّا التعبير الثّاني فانّه يبيّن أن نتيجته و ثمرته هي الحق أيضا [٢].
٣- الرأي الثّالث يرى أنّ الجملة الأولى تقول: إنّنا نزّلنا هذا القرآن بالحق بينما الثّانية تقول: إنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتدخل في الحق و لم يتصرف به، لذا فقد نزل الحقّ.
و ثمّة احتمال آخر قد يكون أوضح من هذه التّفاسير، و هو أنّ الإنسان قد يبدأ في بعض الأحيان بعمل ما، و لكنّه لا يستطيع إتمامه بشكل صحيح و ذلك بسبب من ضعفه، أمّا بالنسبة للشخص الذي يعلم بكل شيء و يقدر على كل شيء، فإنّه يبدأ بداية صحيحة، و ينهي العمل نهاية صحيحة. و كمثال على ذلك الشخص الذي يخرج ماء صافيا من أحد العيون، و لكن خلال مسير هذا الماء لا يستطيع ذلك الشخص أن يحافظ على صفاء هذا الماء و نظافته أو يمنعه من التلوث، فيصل الماء في هذه الحالة إلى الآخرين و هو ملوّث. إلّا أنّ الشخص القادر و المحيط بالأمور، يحافظ على بقاء الماء صافيا و بعيدا عن عوامل التلوث حتى يصل إلى العطاشى و المحتاجين له.
القرآن كتاب نزل بالحق من قبل الخالق، و هو محفوظ في جميع مراحله سواء في المرحلة التي كان الوسيط فيها جبرائيل الأمين، أو المرحلة التي كان
[١]- يراجع تفسير القرطبي، ج ٦، ص ٣٩٥٥.
[٢]- في ظلال القرآن، أننا تفسير الآية.