الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٦ - حال أهل النّار
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [١] [٢].
بعض المفسّرين طرح هنا سؤالا، و هو أن هذا الدليل إذا كان صحيحا، بأنّ كل شخص إذا ما عمل عملا فإنّه قادر على إعادته، فلما ذا نقوم بأعمال ثمّ نعجز عن تكرارها أحيانا؟ فمثلا قد ننشد قطعة شعرية رائعة جدّا، أو نكتب بخط جميل جدّا، غير أنّنا بعد ذلك نجتهد في الإتيان بمثله و لكن دون جدوى.
الجواب هو: صحيح أنّنا نقوم بأعمالنا بإرادة و اختيار، إلّا أن هناك سلسلة من الأمور غير الإرادية تؤثر في أفعالنا الخاصّة أحيانا، فإنّ حركة و اهتزاز يدنا غير المحسوس يؤثر أحيانا في دقة شكل الحروف. إضافة إلى أن قدرتنا و استعدادنا ليسا متساويين دائما، فقد تعرض أحيانا عوامل تعبئ كل قوانا الداخلية، و نستطيع أن نبدع في الأعمال و نأتي بأعلاها، إلّا أنّ هذه الدوافع تكون ضعيفة أحيانا، فلا تستجمع كل الطاقات، و لذلك فإن العمل الثّاني لا ينفذ بدقة وجودة العمل الأوّل.
إلّا أنّ اللّه الذي لا تنتهي قدرته، لا تثار حوله هذه المسائل، و لا تقاس قدرته على أعمالنا و قدراتنا، فإنّه إذا عمل عملا فإنّه يستطيع إعادته بعينه بدون زيادة أو نقصان.
ثمّ تهدد الآية التالية منكري المعاد، و المجرمين الكافرين: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا.
إنّ هذه الآية توحي بأنّ محكمة الأفراد الكافرين و المجرمين قريبة من جهنم! و التعبير ب «جثيا»- مع العلم أن جثي جمع جاثي، و هو الذي يجثو على ركبتيه- ربّما كان إشارة إلى ضعف و عجز و ذلة هؤلاء، حتى أنّهم لا قدرة لهم على الوقوف أحيانا.
[١]- يس، ٧٧- ٧٩.
[٢]- لقد بحثنا حول هذا الدليل في ذيل الآية (٢٩) من الأعراف تحت عنوان (أقصر دليل لإثبات المعاد).