الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - التعامل المنطقي مع المعارضين
وَ الْأَرْضِ. ثمّ أضافت: وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً.
هذا التعبير القرآني جواب على أحد أسئلة المشركين و شكوكهم، حيث كانوا يقولون- بأسلوب استهزائي- لماذا انتخب اللّه للنّبوة محمّد اليتيم، ثمّ ما الذي حصل حتى أصبح هذا اليتيم ليس نبيّا و حسب، و إنّما خاتم الأنبياء؟
القرآن يقول لهؤلاء: لا تعجبوا من ذلك، لأنّ اللّه عليم بقيمة كل إنسان، و هو سبحانه و تعالى ينتخب أنبياءه من بين عامّة الناس، و يفضل بعضهم على بعض، إذ جعل أحدهم (خليل اللّه) و الآخر (كليم اللّه) و الثّالث (روح اللّه)، أمّا نبيّنا فقد انتخبه بعنوان (حبيب اللّه). و باختصار: لقد فضل اللّه بعض النّبيين على بعض لموازين يعلمها هو و تختص بها حكمته جلّ و علا.
أمّا لماذا اختار تبارك و تعالى (داود) من بين جميع الأنبياء، و ذكر (الزبور) من دون الكتب السماوية الأخرى؟ ... قد يكون السبب ما يلي:
أوّلا: يختص زبور داود عليه السّلام من بين جميع كتب الأنبياء بأنّ جميعه على شكل مناجاة و دعاء، و ذكره هنا يتلائم أكثر مع موقع هذه الآيات و حديثها عن القول الحسن و الكلام الجميل.
ثانيا: في زبور داود إخبار عن حكومة الصالحين الذين هم ظاهرا أناس فقراء و يتامى. و هذا الإخبار يتناسب مع دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين الذين يكونوا عادة في زمرة الفقراء، و هو رد على إشكال المشركين و أسئلتهم و شكوكهم [١].
ثالثا: بالرّغم من أنّ داود عليه السّلام كان له حكم عظيم و دولة كبيرة و ملك واسع، إلّا
[١]- في كتاب مزامير داود (الزّبور) و الذي بين أيدينا الآن، نقرأ في الزبور (٢٧): «لأنّ الشريرين سوف ينقطعون، أمّا المتوكلون على اللّه فسيرثون الأرض، و بعد مدّة سوف لا يكون هناك شريرين، أمّا الحكماء و الصالحون فسيرثون الأرض». و في المزمور في الجملة (٢٢) و (٢٩) نقرأ تعابير مشابهة. و هذا ينطبق مع ما جاء في القرآن الكريم في الآية (١٠٥) من سورة الأنبياء: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ.