الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥ - حتمية البعث و يوم الحساب
إنّ الأحجار تتلاشى و تتحول إلى تراب، و أصل الحياة ينبع من هذا التراب.
الحديد هو الآخر يتلاشى و يتفاعل مع باقي الموجودات على الكرة الأرضية ليدخل في أصل مادتها و في تركيبها الترابي الذي هو أيضا أصل الحياة الذي تنبع من داخله و من مادته الموجودات الحيّة. و هكذا تحتوي جميع موجودات الكرة الأرضية بما فيها الإنسان، في بنائها و تركيبها على خليط من الفلزات و اللافلزات. و هذا التحوّل و التغيّر في حركة الموجودات، دليل على أنّ جميع مخلوقات عالم الوجود لها قابلية التحوّل إلى موجود حيّ باختلاف واحد يقع في الدرجة و المرحلة، إذ بعضها يكون في مرتبة أقرب إلى الحياة مثل التراب، بينما بعضها الآخر يكون في مرتبة أبعد مثل الحجارة و الحديد.
السؤال التشكيكي الآخر الذي يثيره منكر و المعاد هو: إذا سلّمنا بأنّ هذه العظام المندثرة المتلاشية يمكن أن تعود إلى الحياة، فمن يستطيع أن يقوم بهذا الأمر؛ و من الذي له قدرة القيام بهذه العملية المعقّدة للغاية؟
هذا السؤال تصوغه الآية بالقول على لسان المنكرين: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا القرآن يجيب على هذا السؤال حيث يقول: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
إذا كان شككم في (القابلية) فقد كنتم ترابا في أوّل الأمر، فما المانع أن تصيرون ترابا، ثمّ يعيدكم مرّة أخرى إلى الحياة من نفس التراب؟! و إذا كان شككم في (الفاعلية) فإنّ الخالق الذي خلقكم في البداية من تراب يستطيع مرّة أخرى أن يكرّر هذا العمل لأنّ: «حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز سواء».
بعد الانتهاء من الشك الأوّل و الثّاني الذي يطلقه المنكرون للمعاد، تنتقل الآيات إلى الشك الثّالث الذي تصوغه على لسانهم بهذا السؤال: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَ يَقُولُونَ مَتى هُوَ.
«سينغضون» مشتقّة من مادة «انغاض» بمعنى مدّ الرأس نحو الطرف المقابل