الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٩ - بلوغ زكريا أمله
ببشارته على تحقيق مراده، و في مقابل طلب الولد فإنّه يعطيه مولدا ذكرا، و يسميه أيضا بنفسه، و يضيف إلى ذلك أنّ هذا الولد قد تفرد بأمور لم يسبقه أحد بها. لأنّ قوله: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا و إن كانت تعني ظاهرا بأن أحدا لم يسم باسمه لحد ولادته، لكن لما لم يكن الاسم لوحده دليلا على شخصية أحد، فسيصبح من المعلوم أنّ المراد من الاسم هنا هو المسمّى، أي أحدا قبله لم يكن يمتلك هذه الامتيازات، كما ذهب الراغب الأصفهاني إلى هذا المعنى- بصراحة- في مفرداته.
لا شك في وجود أنبياء كبار قبل يحيى، بل و أسمى منه، إلّا أنّه لا مانع مطلقا من أن يكون ليحيى خصوصيات تختص به، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك فيما بعد.
أمّا زكريا الذي كان يرى أن الأسباب الظاهرية لا تساعد على الوصول إلى مثل هذه الأمنية، فإنّه طلب توضيحا لهذه الحالة من اللّه سبحانه: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا.
«عاقر» في الأصل من لفظة «عقر» بمعنى الجذر و النهاية، أو بمعنى الحبس، و إنّما يقال للمرأة: عاقر، لأنّ قابليتها على الولادة قد انتهت، أو لأنّ إنجاب الأولاد محبوس عنها.
«العتيّ» تعني الشخص الذي نحل جسمه و ضعف هيكله، و هي الحالة التي تظهر على الإنسان عند شيخوخته.
إلّا أنّ زكريا سمع في جواب سؤاله قول اللّه سبحانه: قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [١].
إن هذه ليست بالمسألة العجيبة، أن يولد مولود من رجل طاعن في السن
[١]- المعروف بين المفسّرين أن عبارة (كذلك) هي في تقدير (الأمر كذلك). و يحتمل كذلك أن (كذلك) متعلقة بما بعدها و يصبح معناها: كذلك قال ربّك.