الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥ - لا تتخذوا الشياطين أولياء
بعبارة أخرى نقول: إنّ للحادثة المهمّة عدّة أبعاد، و في كل مرّة تذكر فيها يتجلى واحد من أبعادها.
و لأنّ الآيات السابقة ذكرت مثالا واقعيا عن كيفية وقوف الأثرياء المستكبرين و المغرورين في مقابل الفقراء المستضعفين و تجسّد عاقبة عملهم، و لأنّ الغرور كان هو السبب الأصلي لانحراف هؤلاء و انجرارهم إلى الكفر و الطغيان، لذا فإنّ الآيات تعطف الكلام على قصة إبليس و كيف أبى السجود لآدم غرورا منه و علوا، و كيف قاده هذا الغرور و العلو إلى الكفر و الطغيان.
إضافة إلى ذلك، فإنّ هذه القصّة توضّح أنّ الانحرافات تنبع من وساوس الشيطان، كم تكشف أنّ الاستسلام إلى وساوس الشيطان الذي أصرّ على عناده و عداوته للحق تعالى يعدّ غاية الجنون و الحمق.
في البداية تقول الآيات: تذكروا ذلك اليوم الذي فيه: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ. هذا الاستثناء يمكن أن يوهمنا بأنّ إبليس كان من جنس الملائكة، في حين أنّ الملائكة معصومون، فكيف سلك إبليس- إذا- طريق الطغيان و الكفر إذا كان من جملتهم؟
لذلك فإنّ الآيات- منعا لهذا الوهم- تقول مباشرة إنّه: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.
إنّه إذا لم يكن من الملائكة، لكنّه- بسبب عبوديته و طاعته للخالق جلّ و علا- قرّب و كان في صف الملائكة، بل و كان معلما لهم، إلّا أنّه- بسبب لحظة من الغرور و الكبر- سقط سقوطا بحيث أنّه فقد معه كل ملاكاته المعنوية، و أصبح أكثر الموجودات نفرة و ابتعادا عن اللّه تبارك و تعالى.
ثمّ تقول الآية: أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي.
و العجب أنّهم: وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ.
و هذا العدو، هو عدوّ صعب مصمّم على ضلالكم و أن يوردكم سوء العاقبة،