الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - القصّة المفصّلة لأصحاب الكهف
فإنّ (شطط) تقال للكلام البعيد عن الحق، و يقال لحواشي و ضفاف الأنهار الكبيرة (شط) لكونها بعيدة عن الماء، و كونها ذات جدران مرتفعة.
و في الواقع، إنّ هؤلاء الفتية المؤمنين ذكروا دليلا واضحا لإثبات التوحيد و نفي الآلهة. و هو قولهم: إنّنا نرى و بوضوح أنّ لهذه السماوات و الأرض خالقا واحدا، و أنّ نظام الخلق دليل على وجوده، و ما نحن إلّا جزء من هذا الوجود، لذا فإنّ ربّنا هو نفسه ربّ السماوات و الأرض.
ثمّ ذكروا دليلا آخر و هو: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.
فهل يمكن الإعتقاد بشيء بدون دليل و برهان؟: لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ.
و هل يمكن أن يكون الظن أو التقليد الأعمى دليلا على مثل هذا الإعتقاد؟
ما هذا الظلم الفاحش و الانحراف الكبير: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً.
و هذا الافتراء هو ظلم للنفس، لأنّ الإنسان يستسلم حينئذ لأسباب السقوط و الشقاء، و هو أيضا ظلم بحق المجتمع الذي تسري فيه هذه الانحرافات، و أخيرا هو ظلم للّه و تعرض لمقامه العظيم سبحانه و تعالى.
هؤلاء الفتية الموحدون قاموا بما يستطيعون لإزالة صدأ الشرك عن قلوب الناس، و زرع غرسة التوحيد في مكانها، إلّا أنّ ضجة عبادة الأصنام في ذلك المحيط الفاسد، و ظلم الحاكم الجبار كانتا من الشدّة بحيث حبستا أنفاس عبادة اللّه في صدورهم و انكمشت همهمات التوحيد في حناجرهم.
و هكذا اضطروا للهجرة لانقاذ أنفسهم و الحصول على محيط أكثر استعدادا و قد تشاوروا فيما بينهم عن المكان الذي سيذهبون إليه ثمّ كان قرارهم: وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ. حتى: يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً.
«يهيّئ» مشتقة من «تهيئة» بمعنى الإعداد.