الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٧ - المسيح يتكلم في المهد
أكثر، و ربما حمل بعضها على السخرية، ثمّ غضبوا فقالوا: مع قيامك بهذا العمل تسخرين من قومك أيضا؟ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا.
لقد بحث المفسّرون هنا و تناقشوا كثيرا في شأن كلمة «كان» الدالة على الماضي، إلّا أنّ الظاهر هو أن هذه الكلمة تشير هنا إلى ثبوت و لزوم وصف موجود، و بتعبير أوضح: إنّ هؤلاء قالوا لمريم: كيف نكلم طفلا كان و لا يزال في المهد؟
و الشاهد على هذا المعنى آيات أخرى من القرآن، مثل كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ سورة آل عمران/ ١١٠، فمن المسلم أن «كنتم» لا تعني الماضي هنا، بل هي بيان لثبوت و استمرار هذه الصفات للمجتمع الإسلامي.
و كذلك بحثوا حول «المهد»، فإنّ عيسى لم يكن قد وضع في المهد، بل إنّ ظاهر الآيات هو أن مريم بمجرّد أن حضرت بين الناس، و في الوقت الذي كان عيسى على يديها، جرى هذا الحوار بينها و بينهم.
إلّا أنّ الالتفات إلى معنى كلمة «المهد» في لغة العرب سيوضح جواب هذا السؤال، فإنّ كلمة المهد تعني- كما يقول الراغب في مفرداته- المكان الذي يهيئونه للطفل، سواء كان المهد، أو حجر الأم، أو الفراش، و المهد و المهاد ورد كلاهما في اللغة بمعنى: المكان الممهد الموطأ، أي: للاستراحة و النوم.
على كل حال، فإنّ الناس قلقوا و اضطربوا من سماع كلام مريم هذا، بل و ربما غضبوا و قالوا لبعضهم البعض- حسب بعض الرّوايات-: إنّ استهزاءها و سخريتها أشدّ علينا من انحرافها عن جادة العفة! إلّا أنّ هذه الحالة لم تدم طويلا، لأن ذلك الطفل الذي ولد حديثا قد فتح فاه و تكلم: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ، و مفيدا من كل الجهات للعباد وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا.